المناهج: توقعات وطموحات

تم نشره في الثلاثاء 18 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً
  • الدكتور ذوقان عبيدات - (ارشيفية)

د. ذوقان عبيدات

 

في مقابلة المديرة التنفيذية للمركز الوطني لتطوير المناهج د. ربى بطاينة مع الإعلامية الناشطة في جريدة الغد آلاء مظهر بتاريخ 16/9/2018، استعرضت البطاينة مختلف القضايا ذات الصلة بعمل المركز والجهود المبذولة منذ تأسيسه في نيسان (ابريل) 2017، وممارسته لمهامه بعد ذلك.

 فوجئت بحجم الجهود المبذولة وأنا أعرف ضآلة الأجهزة الفنية والإدارية العاملة في هذا المركز، وهذا ما يحسب لإدارة المجلس التنفيذي. ويسرني في هذا المجال أن أقدم الملاحظات الآتية:

1 -أبدت الدكتورة البطاينة وعيًا واضحًا بقضايا المناهج، من حيث التفاصيل والإجراءات والجزئيات المتعلقة بها، من إطار عام، ومعايير ولجان تقييم وتأليف.. الخ. وهي قضايا لا يمكن إتقانها إلا من خبراء عايشوا المناهج الأردنية، وعرفوا واقعها ومشكلاتها، وهذا يعني أنها بذلت جهدًا مركزًا ناجحا في فترة قصيرة.

2 -قدّمت إدارة المجلس التنفيذي للمناهج خطة زمنية لتطوير المناهج واعتماد الكتب المدرسية خلال ثلاثة أعوام، وهي الخطة الواقعية التي تجعل الطلبة من الصف الأول يتابعون دراستهم حتى الثاني عشر وفق الخطة الجديدة والمناهج الجديدة والكتب الجديدة. كما أعلنت أن جميع الخبرات وطنية غيورة على الهوية العربية الإسلامية على حد قول المديرة التنفيذية.

3 - سيعمل المجلس التنفيذي على توثيق العلاقة مع وزارة التربية وهي من وجهة نظري تحوي أفضل الخبراء في التأليف وإدارة عملية إنتاج الكتب وتجربتها وتقييمها. وهذا يعني أن المجلس سيمارس عملاً تراكميًا غير منفصل عن التطور العادي لمناهجنا.

4 - أبرزت مقابلة المديرة التنفيذية الاهتمام بالجوهر الأساس لعملية التعلم وهو تعليم التفكير الناقد والتفكير الإبداعي، والالتزام بفلسفة التربية والتعليم الحالية كما وردت في قانون التربية. والعبرة في القدرة على تنفيذ هذا التوجه وتجسيده بالمناهج والكتب المدرسية.

5 - تقول البطاينة إنها تمارس عملاً وطنيًا تشاركيًا، يسهم فيه كل من يستطيع إسهاماً، وهذه من وجهة نظري أمنية لم تتحقق أو على الأقل تحتاج إلى الانفتاح على من يمتلكون الرؤى.

وبعيدًا عن بعض هذه الملاحظات، والتي غالبًا ما كنا نسمع بعضها من وزارة التربية ولم نر تنفيذًا لها، فالمناهج والكتب الحالية ما زالت غير وطنية – بمعنى أنها لا تشرك خبرات وطنية، بل خبرات ما "تيسر من معارف"، وأنها ما زالت بعيدة أو لن تقترب من التفكير الناقد والتفكير المنطقي والإبداعي، بل تطلب عدم الإسراف في التفكير وقبول الحقائق كما يقررها الكتاب والمعلم.

لذلك أقدم الملاحظات الآتية:

الملاحظة الأولى: إن المطلوب إنتاج مناهج جديدة وكتب جديدة بمحتوى جديد وأسلوب جديد. وليس إعادة إنتاج كتب بنفس أدوات الكتب القديمة. إن طريقة تأليف الكتب واختيار المؤلفين وممارسة عمليات التأليف لن تنتج جديدا إذا تمت بنفس آليات الكتب والمناهج القديمة.

ومن الطبيعي، أن ينحى المؤلفون الجدد منحى زملائهم القدماء وقد يكون المؤلفون الجدد هم نفسهم القدماء حتى لو تغيرت أسماؤهم. فالمطلوب أن يزود المؤلفون الجدد بفلسفة جديدة للتأليف، وبإشراف جديد. وأدوات تأليف جديدة. ولا أظن ذلك يخفى على رئيس المركز د. عدنان بدران والمديرة التنفيذية للمركز!

الملاحظة الثانية: إن المنهاج، كما عبرت عنه المديرة في مقابلتها، ليس مجرد محتوى! انه مهارات وقيم وحوارات ونشاطات ومشكلات وأحداث وممارسات تشمل كل ما في الكتاب وغير ما فيه! إنه خبرات ينمو من خلالها الطالب، وخيارات تمكن الطالب من القرار والمشاركة فيما يتعلمه. وهذا يعني: ان المنهاج وغاياته يجب أن تتضح في ذهن المؤلف والمعلم والطالب والأهل. وان المنهاج ليس معلومات تقدم أو تفرض، بل هو أدوات تفتح أمام الطالب خيارات وقرارات، يتعلم منها ما يناسب شخصيته وما يحتاج إليه.

فقد يتعلم طالب من موقف ما بعض المعلومات ويتعلم طالب آخر رفض المعلومات أو نقدها وطالب ثالث إضافة معلومات جديدة ورابع يتعلم قيمة ما ومهارة ما.

فهل راعينا فلسفة جديدة تفرض على معدي المناهج والمؤلفين الالتزام بها. وعلى المعلمين السماح لها؟ ولذلك إن نقطة الانطلاق هي فلسفة جديدة للتأليف والعمل, وليس تشكيل لجان يمكن أن تعمل دون ضابط. فالمعايير العامة ليست كافية ولم تنجح سابقا في تقديم الكتب المأمولة.

الملاحظة الثالثة: ويجب أن لا نرى فرقاً بين المنهاج وغايات المناهج. وإذا وجد هذا الفرق، فإن علينا أن ننحاز إلى غايات المنهاج. ففي اللغة الانجليزية مثلاً، قد يكون النص عن حدث ما بينما تكون غاية النص أن يتعلم الطالب مهارة النقد أو الوعي بالاختلاف الثقافي أو احترام ثقافة الآخر، ولذلك فإن عشرات النصوص المختلفة يمكن أن تحقق نفس الهدف. ومن هنا فإن حفظ النص قد لا يعني شيئا ولا يحقق الهدف.

وفي الرياضيات مثلاً قد يكون الدرس عن زوايا المثلث بينما تكون غاية الدرس الدقة في القياس والمهارة في الرسم أو تميز الاشكال.

وفي اللغة العربية، قد يكون المحتوى عن قصيدة ما بينما غاية النص هي فهم مرحلة سياسية أو اجتماعية معينة. فالغاية دائماً هي الهدف وليس المحتوى.

فالمطلوب فلسفة جديدة تركز على الغايات أكثر من المحتوى. لا يقلل أحد من قيمة المحتوى المعرفي، لكن غايات التربية هي الأكثر أهمية.

الملاحظة الرابعة: إن أعباء الطلبة ثقيلة جداً، من حيث عدد المواد المقررة. ومن حيث حجم المادة الدراسية في كل كتاب.  وعادة، ما يميل المختصون في المواد إلى زيادة حجم المادة. فمؤلف اللغة العربية يجب أن يفرض كل بحور الشعر ومؤلف العلوم يفرض كل منجزات العلم. ومؤلف الدين يفرض كل الدين وهكذا.... وكلنا يتذكر صرخة معلمي التربية الدينية ومعلمي الفن بأننا هزمنا في حرب حزيران لعدم الاهتمام بها في هذه المناهج. فالمطلوب مناهج وكتب تركز على أساسيات معرفية تسمح للطالب بالبناء عليها أو على ما يراه مناسباً لها.

الملاحظة الخامسة: في الأردن خبراء في التأليف والمناهج. وليس صحيحاً أننا نشكو من قلة الخبرات، لكن منهجنا السابق أننا اعتمدنا القرب من المسؤول بدلاً من الكفاءة وكان مسؤولو مناهجنا يقربون من يشاءون ويبعدون من يشاءون وبغير حساب!

إننا نستطيع اختصار المناهج كماً ونوعاً، فلا نريد مادة للمواطنة وأخرى للسير وأخرى للديمقراطية وهكذا.... إن جميع المفاهيم الأساسية من تفكير ناقد وفلسفة ومواطنة وجمال وبيئة، يمكن إدماجها عبر جميع المواد.

 أكرر نحتاج فلسفة عمل جديدة والمديرة تستحق الدعم.

التعليق