فتيات يحرمن من إكمال تعليمهن بسبب قيود تفرضها الإعاقة

تم نشره في الخميس 20 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

ربى الرياحي

عمان - اعتبارات غير إنسانية تصادر بكثير من الأحيان حقوق فتيات بعمر الزهور وتحرمهن من إكمال دراستهن، فقط لأن العقبات التي تعترض مسيرهن ترتكز في الدرجة الأولى على الإعاقة وما يندرج تحتها من إقصاء وتهميش، وربما أيضا تهرب من المسؤولية تجاه فئة تعيش على قيد الحلم.

وحرمان الثلاثينية علياء سامي من الدراسة، قرار ما زالت تتجرع مرارته حتى الآن، إذ تحزنها كثيرا فكرة أنها مسلوبة الإرادة والحق في أمر يخصها جدا، لا يعني أحد غيرها. 

مرحلة قاسية اختبرتها، كانت السبب في تخليها عن حلمها في دخول الجامعة. تدرك أن صعوبات التنقل بسبب الاعاقة التي تعاني منها، ضاعفت من أعبائها وأرهقت عائلتها، الأمر الذي أدى بها إلى ترك المدرسة سامحة لظروف الحياة أن تزعزع ثقتها بنفسها، وتبعدها عن أهداف من شأنها أن تمنحها القوة والسعادة والاستقلالية. 

الظروف المحيطة بها والخارجة عن إرادتها حرمتها من الدراسة، ورضخت هي لها، لذلك تلوم نفسها كثيرا لأنها لم تحول تجربتها تلك إلى قصة نجاح ولم تتحد المعوقات الاجتماعية أو الفكرية أو البيئية.

حساسيتها المفرطة في ذلك الوقت، وعدم دعم المحيطين بها، أثر بشكل مباشر على حياتها الدراسية، لتختار الهروب بدلا من المواجهة، محاولة بذلك حماية نفسها ربما من تجاهل بعض الطالبات لها تحديدا أولئك اللاتي يفتقدن لسبل التواصل معها لكونها من وجهة نظرهن شخصية غريبة والتفسير الوحيد لذلك هو فقدانها للبصر.

أما نهى رياض والتي قبلت أن تهزمها تلك القيود المرافقة للإعاقة، ترى أن في الحياة مفاجآت كثيرة من شأنها أن "تغير مسارنا وتقصينا عن أحلام لطالما انتظرنا أن تتحقق".  فقدت نهى القدرة على المشي وهي في الرابعة عشر من عمرها، نتيجة حادث تعرضت له فما كان منها إلا أن تستسلم لوضعها الجديد، وتلجأ إلى تركيب جهاز خاص يعينها على المشي ويجعلها تعتمد على نفسها في الحركة. 

لكن ذلك لم يستمر طويلا بسبب تعطل الجهاز وصعوبة تأمين بديل له الأمر الذي اضطرها إلى الغياب لفترات طويلة ومن ثم ترك الدراسة نهائيا، راضية بالهزيمة ومتنازلة أيضا عن حلمها في أن تصبح طبيبة أسنان.

وتبين أن الحياة أحيانا تسير بخلاف ما يتمنى الشخص وتصادر الحق في الحلم. لذلك أدركت اليوم أن الظروف مهما عاندتها وأحبطت خططها، كان ينبغي عليها أن تتجاوزها وتتسلح جيدا بالإرادة والإصرار.

وتختلف عنهن لما إبراهيم التي قد تكون وقعت مؤقتا في شباك اليأس والخضوع لفكرة أنها عاجزة تماما، وتعترف أنها بلحظة من اللحظات فكرت في أن تتوقف عن الدراسة نهائيا، لكن إعاقتها جعلت نظرتها أكثر عمقا تجاه حقيقة فقدانها للبصر وكل القيود الملازمة لها وحتى إمكانية التغلب عليها.

وتضيف أن تعليقات الطالبات الموجهة ضدها أضعفتها قليلا، إلا أن تمسكها بحلمها ورغبتها في أن تكون مستقلة ماديا عن أسرتها معتمدة على إمكاناتها، كلها أسباب جعلتها أكثر تصميما على مواصلة الطريق بثقة مكنتها من أن تغدو معلمة للغة الإنجليزية في إحدى المدارس الحكومية.

وتبين أن الظروف مهما بدت قاسية في ظاهرها، إلا أنها "تمنحنا حتما متعة التحدي، حيث أصدق لحظة نستطيع من خلالها أن نعانق أحلامنا ونعيش مستقبلنا كما نستحق". 

ويرى الاستشاري الاجتماعي الأسري مفيد سرحان أن التعليم الإلزامي حق كفله الدستور للجميع ذكورا وإناثا، وهذا الحق يقع بطبيعته على عاتق الأسرة والمجتمع والدولة وهم جميعا متساوون بالمسؤولية ويجب تذليل كل الصعاب والظروف لتمكين الشخص من إكمال دراسته.

ولعل ذوي الإعاقة ومن الإناث خصوصا، هن المتضررات لعدم استطاعتهن إتمام دراستهن، وذلك بسبب بعض القيود والتي تضعها الأسر نظرا للظروف المادية، إذ أن الشخص ذوي الإعاقة بحاجة إلى بعض التسهيلات للوصول إلى المدرسة والتي لا يحتاجها الشخص السليم جسميا.

ووفق سرحان، فإن ظروف الكثير من المدارس وطبيعة الأبنية، وبعدها عن أماكن السكن قد تكون عائقا أمام التحاق هذه الفئة بالدراسة، إضافة إلى النظرة السلبية عند بعض الطلبة لهذه الفئة مما يعيق استمراريتهم بالدراسة، علما بأن كثيرا من هؤلاء هم من المتفوقين وذوي قدرات ذهنية وذكاء متميز.

لذلك يؤكد على أهمية تضافر جميع الجهود لتذليل كل العقبات أمام التحاق هذه الفئة بالدراسة والاستمرار فيها حتى الوصول إلى الدراسة الجامعية.  

ويذهب الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة إلى أن الإشكالية التي تواجه الأشخاص من ذوي الإعاقة في التعليم، تأتي من القيود المفروضة على الإعاقة  التي تخضع في الدرجة الأولى لثقافة العيب ولتلك النظرة السلبية التي تؤثر بشكل كبير في نفسية هؤلاء الأشخاص.

ويضيف مطارنة أن هنالك عوائق كثيرة من شأنها أن تتسبب في حرمان البعض من إكمال دراستهم كعدم وجود تهيئة بيئية في المدارس، وقلة وعي الطلبة الذين قد يتجرؤون على أشخاص أقصى ما يبحثون عنه هو الاحترام والتقدير والشعور بالأمان.

ويشير إلى أنهم بحاجة لتكوين صداقات مع أقرانهم بعيدا عن التعليقات المهينة، والتي تسيء لهم، مبينا أن توقف بعض الفتيات عن التعليم والاستسلام لقسوة الظروف المحيطة بهن، يعود إلى قصور الأنظمة والقوانين وافتقارها لفكرة الدمج وأهميتها في تنشأة الشخص من ذوي الإعاقة تنشئة طبيعية ليس فيها أي تمييز بل على العكس يخرج للمجتمع سويا لديه الثقة الكاملة بنفسه. 

ويبين أن حل هذه المشكلة يكمن في إيجاد برامج توعوية قادرة على خلق التقبل بين الطلبة والشخص من ذوي الإعاقة ومعاملته معاملة عادية ليس فيها أي نوع من أنواع الشفقة أو حتى التذمر، ويتحقق هذا إذا تضافرت الجهود وتم التعاون بين جميع مؤسسات المجتمع والاعتراف بوجود هذه الفئة وحماية حقوقها. 

التعليق