"مسودة الدخل" ومعالجة الأزمة الاقتصادية؟

تم نشره في الخميس 20 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

محمد البشير*

بدراسة مشروع قانون ضريبة الدخل للعام الحالي المعدل لقانون رقم (34) لسنة 2014، يتضح أن الحكومة لم تدرس العبء الضريبي على المواطنين، كما أنها لم تأخذ بآراء مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وجمعيات وباحثين اقتصاديين وخبراء ضرائب الذين أكدوا ضرورة إجراء دراسة حيادية للأعباء الضريبية على المواطنين خاصة منها الضرائب غير المباشرة (المبيعات، الجمارك) التي تم تعميمها على الطبقات كافة وفق استهلاكها ونفقاتها خلال العقدين الماضيين بدون مراعاة لنص المادة (111) من الدستور الأردني حول مقدرة المكلفين على الدفع والتي أدت الى الانكماش الاقتصادي الذي يعيشه الأردن وإلى ارتفاع نسبة البطالة ونسبة الفقر ومما فاقم من العجز في الميزان التجاري وبالنتيجة أثر على ميزان المدفوعات ومقدار العملة الأجنبية لدى البنك المركزي بعد أن ارتفعت أسعار السلع والخدمات الوطنية سواء كانت سلعاً صناعية أو زراعية، مما حد من قدرتها على منافسة السلع المستوردة محلياً أو قدرتها على منافسة السلع الأجنبية في الأسواق الخارجية التي تستهدفها سلعنا الوطنية.

إن الأردن بحاجة الى إصلاح سياسي حقيقي يستطيع من خلاله الفريق السياسي/الاقتصادي، المكلف بإدارة البلاد من طرح مشاريع قوانين ضريبية مستندة الى سياسات ضريبية وطنية قادرة على المساهمة تدريجياً في عودة الروح لاقتصادنا، برفع نسبة النمو للناتج المحلي الإجمالي وهذا ممكن باتباع سياسات اقتصادية داعمة للصناعة والزراعة باعتبار هذين القطاعين جاذبين للعمالة والتوظيف من جهة ومعظمين من حجم التصدير والحد من حجم الاستيراد من جهة أخرى، وهذا يستوجب تخفيض كلفة السلع المنتجة من هذين القطاعين، فضريبة المبيعات على مدخلات إنتاجهما، بالإضافة الى كلفة الطاقة وارتفاع حصة المنشآت من الاشتراك في الضمان الاجتماعي، جميعها أسباب أسهمت في ارتفاع كلفة هذه السلع، ومما يزيد من هذه الأعباء أن تخضع منتجات هذه السلع عند البيع للمستهلك الى ضريبة مبيعات بنسبة (16 %).

إن الإصلاح المنشود على حزمة الضرائب ابتداء من ضريبة المبيعات هو أولاً سيجعل من إمكانية طرح ونفاذ قانون ضريبة دخل يراعي ما ذُكر أعلاه، ممكن في الأمد القريب مستنداً الى السياسات (المبادئ) الآتية:

أولاً: الضرائب على الأفراد (الأشخاص الطبيعيين)

إن القدرة الشرائية للمواطنين تراجعت كثيراً خلال العقدين الماضيين من عمر الأردن لأسباب تتعلق بارتفاع كلفة منتجات قطاعات الصناعة والزراعة على وجه الخصوص بسبب ضريبة المبيعات على مدخلاتها وعلى مخرجاتها من جهة، بالإضافة الى ارتفاع كلفة الخدمات أيضاً، ولثبات أو تراجع دخل الكثير من المواطنين من جهة أخرى؛ حيث جعل من أي تعديل على قانون ضريبة الدخل بالشكل الوارد في القانون، فيه ظلم لميزانية الأسرة والاقتصاد عموماً، مما يستوجب اعتماد نظام فواتير صادرة عن بائع السلعة أو مقدم الخدمة للقطاعات المتعلقة بالصحة، التعليم العام والعالي، السكن والفوائد البنكية على القروض السكنية كأساس للاعتراف بالنفقات الشخصية بعد وضع عتبة مقدارها (5) آلاف دينار للزوج ومثلها للزوجة والأولاد على أن لا يزيد حجم الإعفاءات على (30) ألف دينار سنوياً، وهذا من شأنه إنشاء بنك للمعلومات لدى الدائرة للحد من التهرب الضريبي الذي أصبح أكثر من مشكلة.

ثانياً: الضرائب على الشركات (الأشخاص المعنويين)

إن المادة (111) من الدستور شملت الأشخاص المعنويين لأنها جاءت بإطلاقها (أن لا تتجاوز مقدرة المكلفين على الأداء وحاجة الدولة الى المال)، وبالنتيجة فإن فرض ضريبة مقطوعة على القطاعات المكلفة بدفع الضريبة بدون مراعاة لمقدرتها على الدفع فيه تجاوز على هذا النص الدستوري، لذا فإن إخضاع المكلفين من الأشخاص المعنويين الى الشرائح والنسب فيه مراعاة لأوضاع الشركات وحجمها وبما يعزز ما ذهبت اليه الحكومة في خصوصية المنشآت الصغيرة ومتوسطة الحجم.

إن العلاقة ما بين الخزينة والقطاعات المختلفة، هي علاقة مالية، ويجب أن يبتعد القانون عن التمييز بينها من خلال النسب الضريبية مما يعزز من العدالة؛ حيث إن قوانين أخرى كقانون تشجيع الاستثمار أو قانون المناطق الحرة أو التنموية كفيلة وكافية لمنح المشاريع التي تعظم من الاستثمارات وتدعمها بإعفاءات مناسبة من الضرائب والرسوم، وحسب ما ورد في هذه القوانين.

ثالثاً: قطاع الزراعة

أخضع مشروع القانون في المادة (5) منه ما يزيد على (25) ألف دينار من دخل المكلفين العاملين بالزراعة للضريبة، وإنني أجد أن لا مصلحة للاقتصاد الوطني في إخضاع القطاع للضريبة، للمبررات التي تم إيرادها في مقدمة هذه المذكرة.

رابعاً: الدخول المعفاة

لقد تضمن مشروع القانون إعفاءات سخية تتناقض مع إصرار الحكومة على إخضاع الطبقة الوسطى لضريبة الدخل؛ حيث وردت إعفاءات للجهات الآتية:

1. إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن متاجرة الأراضي مثلاً.

مادة (4) فقرة (أ) بند (5)

2. إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن بيع أسهم وحصص الشركات ومؤسسات تكنولوجيا المعلومات.

مادة (4) فقرة (أ) بند (7)

3. إعفاء (5) آلاف دينار من تعويض نهاية الخدمة ابتداءً من 1/1/2015 من العدالة حماية لأبناء الطبقة الوسطى الحاصلين على هذا التعويض وبحدود (20) ألف دينار وإخضاع ما زاد على ذلك للضريبة.

مادة (4) فقرة (أ) بند (13)

4. تم إعفاء (3500) دينار من الراتب التقاعدي حسب مشروع القانون والعدالة تقتضي أن يضاف اليها الدخول من مصادر أخرى على أن يعامل المتقاعد كالمكلف الطبيعي أو إعفاء (2500) دينار وإخضاع ما زاد على ذلك حتى يستقيم إعفاء المتقاعد مع مقدار الإعفاءات الممنوحة للأشخاص الطبيعيين الواردة في (أولاً) أعلاه.

مادة (4) فقرة (أ) بند (14)

5. حدد المشروع الفائدة والمرابحة المقبولة كنفقة إنتاجية للأشخاص المعنويين بنسبة 3/1 لإجمالي الدين الى رأس المال، وهذا لا يتفق مع الواقع من حيث أن هذه النفقة المدفوعة يحاسب عليها الدائن من جهة وأن الشركاء اذا كانت أرصدتهم مدينة فإن الفوائد أو المرابحة ينزل منها ما يقاربها عرفاً وعادة.

خامساً: الدخول الخاضعة

- أخضع مشروع القانون دخول الأشخاص (الطبيعيين) والأشخاص المعنويين لنسبة (1 %) للتكافل الاجتماعي ولغايات البحث العلمي ومكافحة الفقر. ولا أرى مبرراً لإخضاع دخول الأشخاص الطبيعيين لهذه الضريبة، لأن ذلك لا يستقيم مع طبيعة القانون وإن قانون الشركات وقانون وأنظمة الرعاية الاجتماعية وأنظمتها هما المكان المناسب لمناقشة مثل هذه البنود بالنسبة للأشخاص المعنويين باعتبار أن ضريبة الدخل وقانونها يتوجب أن يعالجا الدخول الخاضعة فقط بدون إقحامه باقتراحات بعيدة عن الضريبة على الدخل وغاياتها.

- فرض مشروع القانون ضريبة على أرباح المناطق التنموية والمناطق الحرة، مما يتناقض مع مبررات إنشاء هذه المناطق وحيث إن التشريعات المنظمة لعمل هذه المناطق تعطي لمشاريعها فترة من الزمن لتمتعها بإعفاءات سواء كانت جمركية أو ضريبية، فإننا ودعماً لاستقطاب الاستثمارات لهذه المناطق لا نرى ضرورة لإدراج ما ورد في المادة (29) فقرة ز/1/2/3 في مشروع القانون.

إن مشاركة المواطنين في صنع القرارات من خلال مؤسساتهم الوطنية التي هي صاحبة المصلحة الحقيقية في نفاذها (تشريعياً وتنفيذياً) مع قيام الحكومة بدراسة ما ورد أعلاه فيه معالجة لمشاكلنا الهيكلية اقتصادياً، مؤكداً أن الإصلاح السياسي هو مدخلنا لمعالجة أزمة المالية العامة والنزيف الذي تعيشه البلاد، دولة ومواطنين.

 

* خبير اقتصادي

التعليق