نادر رنتيسي

"لم يحدث في مثل هذا اليوم"!

تم نشره في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

أمس جرت أحداث كثيرة؛ حتى فاض النهر تحت الجسر.
ألقيتُ تحيَّةَ الصباح على أمِّي، فأجابتني بعبوس الدعاء من وراء القلب، أرسلتُ رسالة بالسكَّر الافتراضيِّ إلى حبيبتي المفترضة، فتجاهلت الردَّ رغم أنَّ التطبيقَ الذكيَّ ألمَحَ لي بحرجٍ شديدٍ إلى أنَّها قرأت الرسالة، تذكَّرتُ أن اليومَ عيد ميلاد زميل لدود لي، فضغطت على صورته المبتسمة بود سهرة قديمة في هاتفي؛ وضغطتُ حتى ضجر الرنينُ من إلحاحي. أرسلتُ التحايا المبالغة في الودِّ في كلِّ الاتجاهات المغلقة، ثمَّ عادت جميعها على قدميّ ساعٍ هَرِم.
كان أمس يوماً للتاريخ؛ "لم يحدث في مثل هذا اليوم"
بعد قليل ستخبرني أمِّي أنَّني، بالأمس السيِّئ، رفعتُ صوتي أكثر من جناحها، وقلتُ ما لا يقوله زوجٌ في سروة الغضب لزوجة ناشز، وتردُّ حبيبتي عبر التطبيق السحريِّ، وتكتب بدمع ساخن كيف افتعلتُ معها خلافاً بَدوْتُ فيه رجلاً فضاً مثل كيس الرَّمل في المعارك، وصوتي كان حاداً كسكِّين المطبخ، وشتمتها كأيِّ بائعة دلقت بضاعتها الرخيصة، وحين أذهب إلى العمل سيبادرني الزميلُ بالهجوم المضاد، ويزعم أنني احتكرتُ الحقيقة في الحرب المجاورة، وكسرتُ زجاج أيقونته السياسية. سأجدني مستمعاً إلى ما لم أقله، وأتخيل ما لم أفعله، وأكونُ مطالباً بالردِّ الصريح على ما اقترفته بالأمس "في مثل هذا اليوم"!
لا أذكر شيئاً؛ أمس كان النهر واقفاً والحربُ تجري
ذهبتُ إلى الطبيب أشكُّ بإصابتي المبكِّرة بالزهايمر. قلتُ له إنَّ الناس صاروا أعداء لي "بين أمس وضحاه"، وإنهم يحفظون كلاماً لم أقله، أو لم يحدث بالضبط، صارحته بشعوري بأن هناك افتراء ومِلحاً لاذعاً وُضِعَ فوق الكلام الذي لم أعتنِ بتوثيقه. اختلفتُ مع أمِّي على زيارة عائلية فاتضح أنَّني شتمتُ جَداً خامساً لها، قلتُ لحبيبتي إنَّ اللون القرمزيَّ لشعرها لا يناسب وجهها العسليّ، فتبيَّن أنَّني خرقتُ بنداً أساسياً في "سيداو" التي بيننا، ناقشتُ زميلي في أسباب الحرب الأهلية في القطر الشماليِّ الشقيق، فاتهمني بتحقير الرسالة الخالدة للأمة الواحدة، وأنَّني أتقاضى راتباً ثالث عشرَ من الدولة المديونة. كلُّ الناس يا طبيب تجدني الآن عدواً ودمي حلال في الأشهر الحرام؛ إذ يبدو أن هناك إجماعاً أنني قلتُ بالأمس: إنَّ الحربَ واقفة والنهر يجري!
الحرب فوق الجسر، والنهر يجري..
طُردتُ من البيت كالشيطان بالبخور النفاذ، وخلعتني حبيبتي كالظفر المستعار والعدسات اللاصقة، ووصلني كتاب الاستغناء السريع من العمل. سيحدث هذا في اليوم التالي الذي سيصبح أمساً بعيداً، ولن تجدي كل لجان التحقيق العائلية والعاطفية والعملية في أن أستردَّ حقوقي وأوضاعي السابقة، فأشقائي وقفوا وراء أمي صفاً واحداً وراء الباب، والنساء أشعن بين النساء أنني الرجل القاسي في الغناء العراقي، وأرباب العمل وضعوا بجانب اسمي إشارة متداولة للحظر، والتلفاز قال إن "النظام" قد سقط..
.. والربيعُ فوق الجسر، والنهر يجري

التعليق