أخلاقيات الطلاق

تم نشره في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

الطلاق هو الحل الطبيعي والسلمي لحياة زوجية غير مستقرة لا تحقق مقاصدها ولا تؤدي وظائفها وتتنكب لغاياتها التي شرعت لأجلها من كونها مصدر سكينة ومنبع مودة ومورد رحمة لأطرافها.
فالطلاق حل وهو حل عملي متحضر وخلاق، ولكن وللأسف فإن البعض جعل من هذا الحل مشكلة وصنع من الطلاق عقدة من عقدنا الاجتماعية ومعضلة من معضلات حياتنا، وجعل العداوة والكراهية والبغضاء من لوازم الطلاق بين الزوجين، وأضحت الإساءة والفجور في الخصومة والتلذذ بالتعذيب هي السمة البارزة  والصفة السائدة في مخاصمات الزواج، وإن زيارة واحدة لأروقة المحاكم تكشف عن هذا الواقع المؤلم والمحزن والمجافي لأخلاق الإسلام ومقاصد الطلاق.
ولعل من الأخطاء الشائعة بين الناس هي افتراض السوء في أحد الطرفين عند وقوع الطلاق، وهذا غير صحيح ولا لازم من لوازم الطلاق؛ فقد يكون عدم الانسجام وضعف الوئام والتوافق النفسي بين الطرفين - وهو أمر طبيعي - هو السبب في الوصول إلى الطلاق.
كما أنه من الظلم أحيانا تحميل أحد الطرفين المسؤولية الكاملة عن الوصول إلى الطلاق، إذ الغالب فيه أن يكون نتيجة طبيعية لحالة عجز الطرفين عن التكيف وتقديم التنازلات المطلوبة للمحافظة على الحياة الزوجية.
وليس عدم الوئام والتوافق بين الزوجين هو السبب الوحيد للطلاق، فهناك أسباب عديدة وحالات كثيرة تؤدي إلى انهيار الأسرة وانفصال الزوجين، لعل في مقدمتها عدم الفهم الحقيقي لطبيعة الحياة الزوجية والجهل بالحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، كما أن تدخل الآخرين كالوالدين والأقارب في الحياة الخاصة للزوجين يؤدي إلى تعقيد الحياة الزوجية وارتفاع نسب الطلاق.
وحيث ان الطلاق حالة طبيعية غايته إنهاء حياة زوجية لا تحقق مقاصدها؛ لذلك دعا القرآن الكريم إلى أن يتجمل الإنسان بالأخلاق الكريمة والسجايا النبيلة في استعمال حق الطلاق، ونهاه عن التعسف فيه، فطالبنا بأن يكون الطلاق بالتي هي أحسن، فإذا كانت المعاشرة إبّان الحياة الزوجية بالمعروف فإن التفريق والطلاق ينبغي أن يكون بالتي هي أحسن، فقال تعالى:" فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ " ومن المعلوم أن الإحسان أرقى درجة وأرفع مكانة من المعروف.
ومن المعروف في الطلاق أن لا يسيء أحد الزوجين للآخر وأن لا يسعى في تشويه صورته وتحطيم شخصيته، وأن لا يظلمه شيئا من حقوقه، وأن يتلطف له في القول والفعل، أما الإحسان فأن يذكره بالخير ويبرز مواطن الفضل عنده ويظهر كريم صفاته التي يتحلى بها، وأن يعطيه من الحقوق أكثر مما يستحق وأن يتنازل له عن بعض حقوقه ويعفيه من بعض واجباته.
وما قلناه سابقاً لا ينفي عن الطلاق كونه حلّاً مؤلماً وقراراً صعباً له آثاره السلبية على الفرد والمجتمع ولكنه وبلا أدنى شك حل مهم وضروري، وليس بلازم أن تكون الحلول خالية من الألم والمعاناة.
ولكون الطلاق حلا مؤلما وله آثاره الصعبة والقاسية ينبغي العمل والاجتهاد في التقليل من آثاره والحد من آلمه، وذلك بالتزام أخلاقيات الطلاق والتحلي بفضائل الطباع وكريم السجايا. 
ولو عمل الناس بمقاصد الطلاق النبيلة وتحلوا بأخلاقه لما تشوهت صورته في أذهان العامة، ولما أدى ذلك إلى الانتقاص من مكانة المطلقين والنهش في أعراضهم، ولأدى ذلك إلى زيادة فرصهم في الزواج بعد الطلاق، إذ لا يلزم من الإخفاق سابقاً الإخفاق لاحقاً، كما أن عدم الوئام والتوافق بين طرفين لا يعني عدم الوئام والتوافق مطلقاً.

التعليق