لهذا الخلل سيكون ثمنا باهظا

تم نشره في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

يديعوت أحرنوت

اليكس فيشمان

20/9/2018

الحملة العسكرية، مهما كانت ذكية، إذا ما انتهت بأزمة دبلوماسية لا داعي لها مع قوة عظمى عالمية – لا يمكنها أن تعتبر نجاحا. حتى لو تحققت الاهداف العسكرية، فهذا فشل لانه في الشرق الأوسط لا توجد وجبات بالمجان: إسرائيل لا بد ستدفع الثمن عن حقيقة أن الروس فقدوا طائرة استخبارات إلكترونية كان فيها 15 ضابطا، من خبراء الاستخبارات ورجال الفريق الجوي.
صحيح، لن ينفذ الروس صباح غد عملية رد ضد قواعد سلاح الجو، مثلما اقترحوا في اللجنة الامنية للبرلمان الروسي، والطائرات الإسرائيلية لن تسقطها غدا منظومات مضادات الطائرات الروسية في سورية – ولكن إسرائيل ستكون مطالبة الآن أكثر مما في الماضي بان تكيف سلوكها ضد أهداف على الأرض السورية مع المصالح الروسية.
النتائج واضحة في الميدان بشكل فوري: السلطات اليونانية أعلنت أمس أن الروس اوضحوا أن في نيتهم أن ينفذوا ابتداء من اليوم (أمس)، مناورة جوية مفاجئة على مدى ستة أيام، في المساحة التي بين نيقوسيا والمنطقة، التي استخرجت مها اجزاء من الطائرة التي اسقطت في البحر أمام اللاذقية. والمعنى هو أن كل المنطقة الجوية الكبرى هذه ستكون مغلقة تماما أمام الطيران من كل نوع مهما كان. هذه هي المرحلة الأولى في النية الروسية لاغلاق منطقتين لدخول الطائرات الأجنبية، في منطقة الشاطئ السوري وفي منطقة دمشق، ما سيقيد جدا كل نشاط إسرائيلي جوي في هاتين المنطقتين. هذا، إذن، هو الرد الفوري على اسقاط الطائرة.
في القيادة الإسرائيلية، من مكتب رئيس الاركان أيزينكوت، عبر مكتب وزير الأمن ليبرمان ووزارة الخارجية وحتى ديوان رئيس الوزراء نتنياهو – تصببوا عرقا بما يكفي بعد اسقاط الطائرة الروسية. ففي اعقاب اقتراح نتنياهو على الرئيس بوتين الارسال إلى روسيا لقائد سلاح الجو نوركين كي يشرح كم كنا على ما يرام، سيسافر في الايام القريبة نوركين إلى موسكو. وخلف الصمت "المحترم" الآن من جانب القيادة العسكرية – السياسية يختبئ حرج وخوف: احد لا يريد ان يشار اليه كمن طبخ هذه العصيدة المحمضة.
في سلاح الجو رفضوا بيان وزارة الدفاع الروسية، الذي اتهم إسرائيل بانها قامت بعمل تلاعبي في مجال طيران طائرة روسية كي تنفذ الهجوم. فلم يكن، وليس هناك قائد لسلاح الجو يقر اليوم خطة عملياتية تعرض للخطر عن وعي مصلحة روسية واضحة، او حياة جنود روس، فما بالك عندما يدور الحديث عن عملية تستهدف تدمير مخازن عتاد. ليس لانه لا يمكن، بل لانه لا حاجة: فالهجمات، كتلك التي نفذت يوم الاثنين من هذا الاسبوع، يمكنها أن تتم من داخل اراضي إسرائيل، بعيدا عن مسارات الطيران في شمال سورية.
فضلا عن ذلك، فالمنطلق في إسرائيل هو أن منظومات الدفاع الجوي السورية تتضمن أجهزة تشخيص تلاحظ وتميز الطائرات الصديقة (الروسية) والطائرات المعادية (الإسرائيلية) بحيث أن الطائرة الروسية كان يفترض بها أن تظهر على الرادار السوري كطائرة صديقة. فلو لم تكن هذه الاجهزة موجودة لسقطت هناك كل يوم طائرات روسية. كما أن الادعاء الروسي بأن مسار الطيران للطائرات الإسرائيلية تسبب بأن يفترض الرادار السوري بان هذه طائرة روسية هو ادعاء غريب، إذ من المعقول جدا الافتراض بانه حتى لو كانت الطائرات الإسرائيلية طارت بالفعل في ذات المسار كالطائرة الروسية، فإنها طارت على ارتفاع ادنى بكثير وبسرعات مختلفة، وكان يفترض بالرادار ان يميز بين طائرة استخبارات وطائرة قتالية.
الروس ليسوا اغبياء. فهم يعرفون بان إسرائيل تتابع الطائرات في المنطقة – ولا سيما الطائرات الاستخبارية. وبالتالي فإنه عندما تعلن إسرائيل – بزعم الروس – قبل دقيقة من بدء الهجوم، فإنها تعرف بالضبط أين توجد الطائرة، ويفترض بها أن تفهم بانها دخلت منطقة خطيرة. كما أنها تعرف بان الدقيقة هي فترة زمنية قصيرة جدا لغرض اطلاق الطائرة. من ناحيتهم، لم تبذل إسرائيل الجهد اللازم وفقا للاتفاقات لمنع الخطر على الطائرة الروسية.
لقد فهم الروس بانه بوسعهم ان يحققوا من هذه الحادثة انجازات سياسية حيال إسرائيل ولهذا فلم يسارعوا ليوجهوا الاتهامات على الفور. استغرقتهم 12 ساعة لدراسة وتحليل الحدث، وبعدها جاء البيان الحاد الذي خلق اجواء أزمة سياسية – عسكرية بين الدولتين. وكانت ذروة الأزمة مكالمة اجراه وزير الدفاع الروسي شويغو مع وزير الأمن الإسرائيلي ليبرمان في اثنائها اتهم إسرائيل بالمسؤولية عن اسقاط الطائرة.
لم يكن أي شيء في الرد الروسي مصادفا، بالطبع، وهو يأتي أولا وقبل كل شيء لتقليص حجم النشاط وحرية عمل إسرائيل في سورية. وحسب التصريحات التي انطلقت في وسائل الاعلام الروسية، فقد شعروا في الكرملين بان إسرائيل – بتكليف من الولايات المتحدة، تحاول التخريب على الانجاز الهائل الذي سجلوه قبل يوم من الهجوم، بالتوقيع على الاتفاق مع تركيا على اقامة منطقة مجردة من السلاح في ادلب.
إلى جانب ذلك، فإن الروس واعون للاحباط في إسرائيل في ضوء تسويات مشابهة وقعوها معها في مسألة هضبة الجولان. فقد أعطى الروس الاتراك انجازات حقيقية، اما لإسرائيل فلم يعطوا الا الوعود لاخراج الإيرانيين إلى مسافة 100 كيلو متر عن الحدود. غير أنه لا نية لدى بوتين لاخراج الإيرانيين من دمشق، والان يتبين أن الإيرانيين اقاموا أيضا مصانع لانتاج السلاح الدقيق من تحت المظلة الجوية الروسية في منطقة اللاذقية، فيما يتجاهل الروس المصالح الإسرائيلية تماما. الفهم في إسرائيل باننا بعنا أنفسنا للروسي بسعر زهيد أدى إلى سياسة استمرار الهجمات المكثفة في سورية، في كل مكان وفي كل زمان، في ظل المراعاة الدنيا للمصلحة الروسية. اما الروس، الذين على أي حال يشكون بان إسرائيل تنفذ سياسة أميركية، فلا يناسبهم هذا.
في حساب متهكم، ما يزال الروس بحاجة للتعاون الإسرائيلي في سورية. وبالتالي، بعد ساعات طويلة من التعرق الزائد في إسرائيل، قرر بوتين أن يبرد قليلا الاجواء واعلن بان إسرائيل وان كانت خرقت التفاهمات – ولكن هذا كان "خطأ مأساويا".
كما يوجد الموضوع الرمزي أيضا، إذ انه في الحادثة التي وقعت عشية يوم الغفران تصدح دروس الحرب اياها. فللمخطط العسكري توجد رؤية ضيقة – فهو مقاول تنفيذ في إطار خطة منع تهريب السلاح إلى لبنان. وبالتالي، فإن دوره في القرار متى وباي شكل يقصف في اللاذقية هو دور ثانوي. اما القيادة السياسية، التي اقرت العملية، فقد كان ينبغي لها أن تسأل الاسئلة الصحيحة وتتحمل المسؤولية. غير أنه من العملية في اللاذقية تنز رائحة معروفة جيدا لخريجي الحرب في 1973: الاستخفاف بالعدو والغرور. فنحن قوة عظمى، وما الذي يمكن لأولئك الروس ان يفعلوه لنا؟ نجاح الهجمات في سورية وجعلها عملا عاديا ادخل المنظومة في حالة غرور، من شأنه ان ينقلب علينا.

التعليق