د.أحمد جميل عزم

طارق الإفريقي ومحمد التونسي وحسن الأردني

تم نشره في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2018. 12:07 صباحاً

يشهد هذا العام، الذكرى السبعين لنكبة فلسطين، وبحسب إدعاءات الكونغرس الأميركي، بقي أربعون ألف لاجئ فلسطيني ممن هُجّروا عام 1948، وبغض النظر عن دقة هذا الرقم، فإنّ من بقي بطبيعة الحال غالبيتهم كانوا صغار السن في ذلك الزمن.
لا يمانع الأميركيون وحتى الإسرائيليون، إيجاد، مورد مالي لاستيعاب أبناء وبنات هؤلاء بشرط نسيان أنهم لاجئون، وبالتالي فلسطينيون. لقد بات "التذكر" من أهم قضايا الصراع، والواقع أن من يجب أن يتذكر ليس الفلسطينيون فقط؛ فقد "أكل" الاعتداء على فلسطين، كُلّياً، حياة آلاف البشر، وأكل من حياة الملايين، من العرب وغير العرب الذين آمنوا بعدالة قضية فلسطين فتجندوا لها، أو تأثروا بسببها.
قبل أسابيع استضاف البرنامج الإذاعي الفلسطيني، في استراليا، "أنا من هناك"، السيد عبد الهادي البحيصي من مواليد 1929، من منطقة القدس، وكان من ضمن ذكرياته ما قاله عن الضابط المعروف باسم طارق الإفريقي. والواقع، أنّه على مدى سنوات أُثيرت الكثير من الأسئلة والمعلومات حول الإفريقي ومن هو.
عثرتُ في مكتبة جامعة بيرزيت، على كتاب كتبه الإفريقي نفسه عام 1951، وتبرع به للجامعة (كانت كلية مجتمع حينها) العام 1968، المؤرخ عارف العارف، والذي خطّ بيده ملاحظات على النص موقعة بتوقيعه.
في كتابه، يتحدث الإفريقي، ولكن للأسف بشكل عابر، عن عرب آخرين رافقوه للنضال في فلسطين، من ضمنهم تونسي، اسمه "محمد التونسي"، كان ضابطا سابقا في الجيش الفرنسي، ويقول إنّه قاد منطقة أسدود جنوب فلسطين، وقام بأعمال مجيدة وشلّ قوافل المعتدين بمعارك دامية. وفي منطقة القدس قاد المتطوعين، ضابط جيش أردني سابق، يُسميه الملازم حسن الأردني. ويضع تفاصيل أربعين معركة خاضها في فلسطين. والواقع أن عددا من جنود وضباط الجيش العربي الأردني استشهدوا ودفنوا غرب القدس وفُقدت آثارهم، حتى اكتشفت قبورهم مصادفة العام 2014. (علي حسن العوران من الطفيلة، الشهيد عوض خلف جلال من برما، الشهيد كايد مطلق الحجايا من تلك المرابع بين الكرك ومادبا، والشهيد محمود علي الروسان من سما الروسان، والشهيد رجب سعد من القنيطرة، الشهيد أحمد محمد الشوبكي من البلقاء، والشهيد رواس حامد السرحان والشهيد عناد سعد السرحان من المفرق).
وصل الإفريقي، يوم 4 آذار (مارس) 1948، ويسجل كيف كانت تجري المعارك في فلسطين، بمبادرة من متطوعين، اشتروا أسلحتهم بأنفسهم، ويكشف أنه بعد نفاد ذخائر الأهالي جمعوا ما يمكنهم جمعه من مال، ووصل وفد منهم في 21 نيسان (إبريل) مصر، لشراء السلاح، ومعهم الإفريقي، فيما المعارك مستمرة، وبعد أسبوعين من المكوث في القاهرة، وإنفاق جزء مما جمع على الإقامة، كان هناك رفض رسمي لتسهيل مهمة شراء الأسلحة، وشكك رسميون في القاهرة بإخلاص الفلسطينيين، مبررين بذلك رفضهم تسليحهم، ثم اتفق الوفد مع تجار سلاح مصريين، ولكن عدم تسهيل المهمة من قبل الرسميين، أفشل المهمة، وطُلِبَ من الإفريقي الانتقال لمنطقة القدس، حيث خاض 22 معركة، بعد قيادته 18 معركة في منطقة الجنوب. 
بحسب الرواية التي تذكرها، نعمات، ابنته، الوحيدة، فإنّه كان ليبياً وأمّه نيجيرية، تعرف إلى ضابط تركي أثناء ذهابه للحج (غالبا قبل نهاية الحرب العالمية الأولى أو حول ذلك)، وذهب إلى تركيا حيث تلقى علوماً عسكرية، ثم ذهب إلى سورية ملتحقاً بعمل عسكري هناك، وحصل على الجنسية السورية، وأصبح معروفا على مستوى قيادات سورية ودول عربية، فدعي للمساهمة في تأسيس الجيش السعودي، وقضى هناك خمسة أعوام، قبل عودته لسورية، ثم ذهابه للقتال في فلسطين، ثم عاد إلى سورية وعاد بعدها للاستقرار في السعودية، حيث تزوجت ابنته الوحيدة، من أم سورية، من سعودي. وقد قدمت الابنة هذه المعلومات للصحافة السعودية وهي في سن الحادية والسبعين، عام 2009.
دخل النضال الفلسطيني مئات أو آلاف من غير الفلسطينيين، وربما يجدر التفكير برابطة أو مشروع لتوثيق نضال هؤلاء بشكل خاص، لأن نضالهم يجب أن يكون جزءا من ذاكرة بلادهم، وجزءا من الذاكرة التي تحفظ فلسطين، بكل أبعادها الوطنية والإنسانية، التي تعني قضية العدل في العالم كلّه.

التعليق