قراءة في جولات الحكومة

تم نشره في الخميس 20 أيلول / سبتمبر 2018. 11:06 مـساءً

التطور الجديد في العلاقة بين الحكومة والشعب هذه الأيام لا يقتصر على انتقال الحكومة إلى حيث يقيم الناس لاستشارتهم ولو من الناحية الشكلية في تشريع يتعلق بواقعهم ومستقبلهم والتفاعل بين الطرفين، بل في تحول المدرجات والقاعات التي استضافت اللقاءات إلى فضاءات للتعبير الحر والمعارضة والاحتجاج على مجمل السياسات الحكومية بحضور الوزراء وعلى مسامعهم.
التمرين الحكومي المتمثل في تأليف فرق من الوزراء تجوب المحافظات ضمن جدول زمني تجربة جديدة للمواطن الأردني والحكومة على حد سواء. فالفرق الوزارية التي ذهبت للمحافظات لا تحمل اجندة تفصيلية ولا رؤية شمولية لكيفية التعامل مع الاسئلة والمقترحات أو الاجابة على الأسئلة التي يطرحها الجمهور حول جملة القضايا والهموم والأوجاع . لكنهم نجحوا وبما لا يدع مجالا للشك في توفير مناخ وبيئة مناسبة للتنفيس وبث الهموم وتفريغ جزء كبير من شحنات الاحباط والغضب والعتب المتراكم لديهم..
مهمة شرح القانون وبيان أهميته في إصلاح المالية العامة للدولة وتحقيق العدالة وتحسين مستوى الخدمات التي يتلقاها المواطن إضافة إلى عرض الواقع الاقتصادي السياسي الأمني وبيان إنجازات الدولة الأردنية في الحقبة الماضية وسط الظروف الدولية والاقليمية والمحلية الصعبة التي مرت بها البلاد مهمة غير صعبة في الظروف العادية لكنها بدت اشبه بالمهمة المستحيلة عند هذا المفصل التاريخي.
الغضب الشعبي الذي كشفت عنه اللقاءات لم يكن موجها للوزراء ولا لحكومة الرزاز بعينها بمقدار ما هو تعبير جمعي عن الغضب والضيق والاحباط الناجم عن تردي الأوضاع الاقتصادية وتنامي معدلات الفقر والبطالة وانسداد الأفق وتلاشي الآمال في خروج المجتمع من أزماته المركبة.
المواطنون الذين حضروا اللقاءات الوزارية يعرفون جيدا بأنهم يقعون في شريحة الفئات المعفاة من الضرائب لكنهم على قناعة بأن لا حلول جذرية لمشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية دون تغيير في النهج الذي تدار به البلاد. فالإصلاح السياسي ضرورة لمشاركة الجميع في صناعة القرار وتحمل تبعاته ولا إصلاح سياسي بلا برلمان قوي يمثل إرادة الشعب ويتحدث باسمه ويختار الحكومات ويحاسبها. الناس جميعا يدركون أهمية الدولة القوية واستقلالية القرار وهي أهداف لا يمكن أن تنجز بعيدا عن احترام كرامة المواطن والوفاء بحقوقه واحترام ارادته.
 في كافة المحافظات سمعت الحكومة تذمر الشارع من استفحال الفساد والغضب الشعبي من افلات بعض الفاسدين وهروبهم كما استمعوا إلى صيحات العاطلين عن العمل وشكاوى ضحايا اللامساواة في الوظائف والفرص وادرك الجميع حجم المعاناة وأزمة الثقة ومدى الخوف من المستقبل.
الأيام القليلة الماضية وبالرغم من مشاهد الرفض والتعبير عن الغضب إلا أنها شكلت مشاهد مكررة ومتطابقة مشبعة بالصور والمشاهد والقصص التي رواها الناس عن فقرهم وجوعهم ومعاناتهم واستفتاء شعبي سريع ومباشر يجيب على الأسئلة الأزلية التي يطرحها مركز الدراسات في كل عام وعند تشكيل كل حكومة وبعد مرور مائة يوم على عملها..
الاستفتاء الشعبي هذه المرة جاء عفويا فهو لا يحتاج إلى تدخل أحد لاعداد الاسئلة ولا لخبراء لكتابة التقرير وتحضير النسب المئوية ولا لكاميرات التلفزة لنقل النتائج واختيار ما يناسب نشرة الثامنة...في العقبة ومعان والطفيلة كما في جرش وعجلون والمفرق اشتكى الناس من كثرة الضرائب والرسوم وطالبوا بتغيير النهج وعبروا عن احباطهم من ضعف آليات متابعة الفساد والقبض على الفاسدين.
في كل الأحوال لا يمانع الأردنيون من أن ينخرطوا في أي برنامج إصلاح وطني يتسم بالواقعية والجدية ويستخدم أدوات حازمة وعادلة دون تسويف أو تردد.

التعليق