محمد أبو رمان

الاستعصاء!

تم نشره في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2018. 12:10 صباحاً

استمعت واستمتعت أمس صباحاً بمتابعة حوار عميق إلى مستوى كبير، بلغة سلسة متسلسلة بين الإعلامي البارز والصديق، حسام غرايبة وجمال الطاهات، وهو من العقول البحثية العميقة أردنياً، عن مشروع قانون ضريبة الدخل المعدّل والأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة، بخاصة أنّ الطاهات أعدّ ورقة متخصصة عن هذا الموضوع، لم تُتح لي فرصة الإطلاع عليها، لكن الحوار يكشف عن تحليل عميق وتصوّر استراتيجي معتبر، بخلاف كثير من التحليلات والنقاشات التي يعجّ بها الإعلام اليوم للآسف!
بالضرورة لن أتمكن بهذه المقالة القصيرة تلخيص ما قاله الطاهات، ولا أريد أن أظلمه بذلك، وقد سجّلت العديد من الملاحظات مما قاله، لكنه في المجمل يربط موضوع الإصلاح الضريبي الحالي بسياقاته السياسية والاجتماعية، لذلك، وهنا بيت القصيد يتحدّث عن مشروع متكامل كان من المفترض أن يوضع مشروع ضريبة الدخل المعدّل فيه، كمشروع بغض النظر عن اتفاقه هو شخصياً أو اختلافه مع الجزئيات في المعدل الحالي، وأن يشتمل هذا المشروع على جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية، وتصوّر واضح يفهم من خلاله المواطنون: إلى أين نسير تماماً؟
تحدث الطاهات عن "نظام محاسبة وطني" متكامل، يقوم على توفّر المعلومات، ويؤدي إلى تطوير ديوان المحاسبة ومؤسسة ضريبة الدخل وقدراتها على العمل والتحصيل الضريبي، ومرتبط بالشفافية الكاملة، وأشار على سبيل المثال إلى أنّ أرقام التهرب الضريبي ما تزال إلى الآن مجرّد تقديرات أقرب إلى تخمينات عامة.
من أهم ما قاله الطاهات، في ظنّي، وهو ما أتطابق معه فيه تماماً في مقالاتي، أنّ السياسات الريعية، لا تقوم على شقّ واحد فقط، أي أنّ الدولة يأتيها ريع خارج إطار الإنتاج وتقوم بإنفاقه على المواطنين، من خلال التوسع في التوظيف والإنفاق، بل هناك شقّ سياسي أيضاً وهو أنّ هذا الدور الريعي الاقتصادي للدولة، الذي كان يحكم السياسات الأردنية خلال العقود الماضية، ليس مجّانا، بل له ثمن سياسي كان يدفعه المجتمع، وهو الولاء، لذلك السياسات الريعية لها أبعاد سياسية وتنموية واجتماعية وثقافية أيضا.
إذا عندما نتحدث عن الانتقال إلى اقتصاد منتج، وإلى دولة تحصل على الضرائب من المواطنين بدلاً من أن تدفع لهم، فإنّ ذلك أيضاً يقتضي تغيير المعادلة السياسية بصورة جوهرية، فلا يمكن أن يقبل المواطنون، بخاصة "المقتدرين"، الذين يدفعون الضريبة اليوم بأن تأخذ الدولة منهم، من دون أن يكون لهم الحق في معرفة أين تذهب الأموال، ويطمئنون بأنّها في المسار الصحيح، ما يعني الشفافية الكاملة (معرفة كل فلس أين يصرف من موارد الدولة)، ما يعني أيضاً أمرين؛ الأول توسيع قاعدة المشاركة في الحكم، من خلال مجلس نواب يمثل الشارع والفئات المختلفة، والثاني تعزيز أنظمة المساءلة والمحاسبة، التي تحدث عنها الطاهات سابقاً.
وفق هذه الرؤية فإنّ قانون الضريبة هو أداة مهمة وضرورية للعبور من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، لكن على أن تصاغ من خلال عقول استراتيجية تفكّر في الناتج المحلي الإجمالي، وتربطه بأبعاده الاستراتيجة، وليست عقولا محاسبية، وكأنّنا في شركة، وعقولا تستطيع أن تجترح المعادلة الصحيحة بين الضريبة والعدالة الاجتماعية من جهة وتحسين الأوضاع الاقتصادية من جهة أخرى.
هذا التوصيف للحل المطلوب، المبني على قراءة معمّقة للتحولات البنيوية التي نمرّ بها، وهو ما ينسجم كذلك من حيث المبدأ مع رؤية رئيس الحكومة نفسه، وتنظيره للانتقال من الريعية إلى الإنتاجية، وسيقوم خلال الساعات القادمة بالإعلان عن تصوره المتكامل ومشروعه، الذي دعا إليه الطاهات، لكن المهم أن تكون الرسالة مقنعة واضحة تعطي الناس ضمانات بأنّهم لن يدفعوا بلا مقابل، وإلاّ فسنبقى ندور في حالة من الاستعصاء السياسي والاقتصادي والمالي!   

التعليق