هل انفجرت فقاعة شعبية بوتن؟

تم نشره في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً

نينا ل. خروتشيفا*

 

موسكو- كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعرف دائماً كيف يُبقي على معدلات قبوله على المستوى الشعبي مرتفعة، من السيطرة على وسائل الإعلام إلى تأجيج النزعة القومية. لكن حياة الروس لم تتحسن، وخاصة بعد الجولة الأخيرة من العقوبات الاقتصادية الغربية -وهذا ما تُظهِره معدلات قبول بوتين التي تتجه الآن نحو الانخفاض.

في نيسان (إبريل)، كان الروبل في انخفاض شديد، وكان ذلك راجعاً بشكل جزئي إلى العقوبات المفروضة على روسيا رداً على تسميم الكرملين المزعوم للعميل الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته على الأراضي البريطانية. ثم في حزيران (يونيو)، عندما بدأت بطولة كأس العالم لكرة القدم التي استضافتها روسيا، اقترحت الحكومة زيادة سن التقاعد من 60 إلى 65 عاماً للرجال، ومن 55 إلى 63 عاماً للنساء، الأمر الذي أدى إلى إثارة ردود فِعل شعبية عنيفة فورية. وأفضى هذا إلى انخفاض حاد بلغ 15 نقطة في معدلات تأييد الحكومة في الإجمال -وهو أكبر انخفاض خلال حكم بوتين الذي دام 18 عاماً حتى الآن.

علاوة على ذلك، انخفضت الثقة في بوتين ذاته من نحو 60 % إلى 48 %. ولتوضيح هذا الانخفاض، فحتى في بداية ولاية بوتين الثالثة في العام 2012 -عندما اندلعت احتجاجات حاشدة ضد عودته إلى الرئاسة بعد توليه منصب رئيس الوزراء- قال نحو 60 % من الروس إنهم يثقون به.

في ذلك الوقت، نجح بوتين في رفع معدلات قبوله عن طريق ترسيخ نفسه كمدافع عن روسيا. وعندما أظهرت الولايات المتحدة، في عهد الرئيس باراك أوباما، عدم رغبتها في فرض "الخط الأحمر" في سورية -استخدام الأسلحة الكيميائية من قِبَل الرئيس بشار الأسد- قفز الكرملين لشغل الفراغ، وتثبيت روسيا بوصفها الضامن الشرير لنزع سلاح الأسد.

ولتعزيز مكانته المحلية من خلال الإشارة إلى أن روسيا لا تنحني لإرادة أميركا، منح بوتين حق اللجوء للمبلغ عن المخالفات في وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن. وداخل روسيا، حرص بوتين على بناء جسور وطرق جديدة، وتحديث البنية الأساسية، وتجديد الأماكن العامة، فضلاً عن المتنزهات، والنوافير، والمقاهي.

على الرغم من أن أياً من هذا لم يساعد الروس اقتصادياً، ناهيك عن توسيع حرياتهم، فقد عمل على ترسيخ بوتين بوصفه بطلاً لما يسمى "روسيا العظمى". وبعد غزو روسيا لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم في آذار (مارس) 2014 -في تحد سافر للغرب- ارتفع معدل تأييده الشعبي إلى نسبة مذهلة بلغت 87 %.

في آذار (مارس)، فاز بوتين في الانتخابات الرئاسية بسهولة، لكي يبدأ بذلك رابع ولاية له كرئيس بنحو 76 % من الأصوات، وهو ما يرجع جزئياً إلى غياب أي مرشحين آخرين صالحين. وبعد الانتخابات مباشرة، بلغ معدل تأييده 82 %.

لكن بطولة كأس العالم لكرة القدم التي بدأت بعد ذلك بفترة وجيزة لم تكن بلا خسائر. فمن خلال جلب أكثر من 700 ألف زائر دولي، غيرت البطولة فهم الروس لما يهم من أمور -ونظرتهم إلى رئيسهم. فبوصفه مضيفاً فظاً، وقف بوتين تحت مظلة خلال الحفل الختامي بعد المباراة النهائية، في حين غَمَر المطر المنهمر رئيسي كرواتيا وفرنسا.

في الوقت نفسه، أبهر الشعب الروسي العالَم بحسن ضيافته وكرمه. فقد رحب أصحاب البارات، والمحصلون في القطارات، والمتطوعون الناطقون باللغة الإنجليزية بالزوار بحرارة. وأدرك الروس أنهم ليسوا بحاجة إلى الفوز بأي ثمن؛ بل يمكنهم أن يكونوا عظماء من دون تصريح عسكري من الكرملين.

ثم جاء الإعلان عن إصلاح نظام التقاعد، الذي حفز سلسلة من الاحتجاجات التي دفعت بوتين إلى التعهد بتخفيف ذلك التدبير، في حين طالب الروس بتفهم الموقف. ومع ذلك، اعتباراً من الثالث من أيلول (سبتمبر)، قال 53 % من السكان إنهم على استعداد للمزيد من الاحتجاج. وفي التاسع من أيلول (سبتمبر)، وخلال إجراء انتخابات الحكومات المحلية، انضم عشرات الآلاف من الروس إلى الاحتجاجات التي نظمها المحامي المناهض للفساد وزعيم المعارضة أليكسي نافالني، في تحد لحظر "التهييج السياسي" في أيام الانتخابات.

لم يتمكن نافالني ذاته من حضور ذلك الحدث، بعد اعتقاله بسبب مظاهرة سابقة ممنوعة. لكن هذا لم يمنع 2.500 محتج على الأقل من الظهور في ميدان بوشكين في موسكو، حيث وقفوا أمام قوات الشرطة التي لا ترحم، ملوحين بلافتات تحمل شعارات مثل "مستحيل"، و"بوتن، حان أوان التقاعد". (بلغ من العمر 65 عاماً).

وكان بين المحتجين العديد من الشباب الغاضبين، ليس فقط بسبب إصلاح نظام معاشات التقاعد، والذي لن يؤثر عليهم لفترة طويلة، بل بسبب إخفاقات نظام بوتين الأوسع نطاقاً. ويعتقد كثيرون بأنه حتى لو نجح بوتين في استعادة مكانة روسيا بوصفها "قوة عظمى"، فإن هذا لا يعوض عن الفساد المستشري والافتقار إلى الفرص في الداخل. وينظر الشباب إلى النظام على أنه عفا عليه الزمن، وينظرون إلى بوتين ذاته باعتباره عائقاً يحول دون التغيير -مثل زيادة الاستثمار في البرامج الاجتماعية- اللازم لرفع مستويات المعيشة.

لكن، ليس الشباب وحدهم يشعرون بالغضب إزاء تصرفات بوتن. فقد أصيب رجال الأعمال الروس أيضاً بالإحباط بفِعل التأثيرات المترتبة على العقوبات، كما يشعرون بالغضب إزاء الزيادات الضريبية المقررة. ومثل الشباب الروس، يتساءل رواد الأعمال حول ما إذا كانت سياسة بوتين الخارجية العدائية التي تتسم بنزعة قومية مولعة بالقتال، والتي أكسبته قدرا كبيرا من التأييد المحلي في الماضي، تستحق الثمن، بما في ذلك التكلفة الفعلية للأنشطة العسكرية الروسية والتأثير الناجم عن عزلة روسيا الاقتصادية والسياسية المتزايدة عن الغرب.

يدرك بوتين بكل تأكيد أن موقفه مهتز. ولهذا السبب لجأت الشرطة إلى مثل هذه المعاملة الخشنة للمحتجين، واعتقلتهم بالمئات. ويخشى الكرملين ليس فقط المزيد من التجمعات الحاشدة، بل وأيضا المعارضة المتزايدة الحدة من جانب رجال الأعمال، الذين يصنف بعضهم بين صفوف النخب القوية في روسيا. بل وقد تبدأ السلطات الإقليمية أيضا تخريب قرارات الكرملين.

لقد بدأت صورة بوتن، كراع لعظمة روسيا، وبوصفه رمزاً للأمل، تتلاشى، ومن الواضح أن تكتيك "المجرب والحقيقي" الذي انتهجه في تجديد شعبيته -ولنقل من خلال ضم أراض من دولة مجاورة أو التدخل في حرب أهلية- ليس استراتيجية عملية طويلة الأجل. وما لم يبادر بوتين إلى إحداث تغييرات حقيقية داخل روسيا، فإن معدلات قبوله على المستوى الشعبي ستستمر في الانزلاق، مما يزيد من احتمالات تركه للرئاسة أخيراً عندما تنتهي فترة ولايته الحالية في العام 2024، إن لم يكن قبل ذلك.

 

*مؤلفة كتاب "تخيُّل نابوكوف: روسيا بين الفن والسياسة"، و"خروشوف الضائع: رحلة إلى كولاغ العقل الروسي"، وهي أستاذة الشؤون الدولية في المدرسة الجديدة وزميلة رفيعة في معهد السياسة العالمية.

*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق