المشكلة ليست الأونروا

تم نشره في السبت 22 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • فلسطينية تتسلم حصتها من الدقيق خارج مركز توزيع المساعدات لـ(الأونروا) ، في خان يونس .-( ا ف ب )

هآرتس

دمتري شومسكي   21/9/2018

النقاش العام الذي ثار مؤخرا في إسرائيل حول وقف التمويل الأميركي للأونروا معيب في معظمه من عمى في الادراك مدهش جدا. يبدو أن المصفقين اليوم لتصميم دونالد ترامب على تقويض وجود وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة، يعتقدون حقا أنه يمكن استبدال الأونروا بجهات اخرى لا تربط المساعدات بتسجيل الفلسطينيين كلاجئين، كما كتبت عنات وولف وعيدي شفارتس ("هآرتس"، 3/9)، من اجل البدء بتحطيم اسطورة العودة من قلب القومية الفلسطينية.

هذا الوهم يعكس عدم فهم كامل لظاهرة القومية الحديثة. استمرار اسطورة العودة في الوعي الوطني الفلسطيني لا يرتبط بتسجيل الفلسطينيين كلاجئين من قبل هذه المؤسسة الدولية أو تلك، بل بالتسجيل الذي لا يمكن منعه للنكبة في الذاكرة القومية الفلسطينية. ربما يتم اجراء نقاش قانوني في مسألة هل يمكن توريث مكانة اللاجئ إلى الأبد، ولكن من المضحك التشكيك بأن الرموز والذاكرة القومية تنتقل أيضا من جيل إلى جيل في اوساط قوميات عرقية دون الحاجة إلى المصادقة عليها من حكام اجانب هستيريين ينقصهم الوعي الذاتي – ومن مثل الشعب اليهودي يعرف ذلك.

القومية الفلسطينية الحديثة ظهرت على حلبة التاريخ كأمة اقليمية – سياسية في الاعوام 1917 – 1922 كنتيجة التفكك العنيف للفضاء العربي عن الامبريالية العثمانية إلى كيانات تقع تحت السيطرة الكولونيالية. بعد العام 1948، ومع هرب وطرد مئات آلاف الفلسطينيين الذين منعوا من العودة إلى بيوتهم خلافا لقرار الأمم المتحدة 194، اضيف إلى القومية الجغرافية الفلسطينية اساس ثقيل الوزن هو قومية الشتات، أي قومية مجموعة اثنية التي في جزء منها، وأحيانا في جزئها الأكبر، لا تقيم في وطنها القومي، بل تتطلع اليه. 

هذه الحقيقة الاساسية لا يتوقع أن تتغير جذريا حتى لو تم الغاء الأونروا من العالم، وحتى لو تم تفكيك مخيمات اللاجئين وبدأ الفلسطينيون الخارجون من المخيمات في اندماج ناجح في اوساط غير الفلسطينيين. صحيح، اذا كان يهود ويونانيون وألمان وعدد لا بأس به من السوفييت الذين لم تطأ اقدام آبائهم طوال اجيال ارض إسرائيل وارض اليونان وارض المانيا حافظوا في اعماق قلوبهم على علاقتهم التاريخية العميقة بوطنهم القومي، فإنه يحق للفلسطينيين الذين فقدوا وطنهم منذ فترة غير بعيدة مواصلة تطوير حلم العودة إلى فلسطين. 

علاوة على ذلك، من يميلون إلى أن يشخصوا بصورة حصرية بؤرة اسطورة العودة القومية الفلسطينية في مخيمات اللاجئين للأونروا، ينسون المكان الرئيسي للنخبة المثقفة في نشر الافكار والاساطير القومية. المثقف والمفكر ادوارد سعيد الذي علم الادب في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة لم يعش في مخيم لاجئين، حسب معرفتنا. ولكنه اعتبر نفسه مهجرا، كما سمى كتاب سيرته الذاتية. أيضا مثقفون فلسطينيون بارزون اليوم – في وطنهم وخارجه – يواصلون اعتبار النكبة كارثة قومية للشعب الفلسطيني، وحق العودة كجزء من حقوقه الاساسية.

اضافة إلى ذلك، فإنه رغم التمسك المبدئي بأسطورة العودة فإن اوساط رئيسية في الحركة القومية الفلسطينية اظهرت دلائل على الاستعداد لأن تكون اكثر مرونة في مسألة اللاجئين. لذلك، وولف وشفارتس مخطئون، ويضللون عندما يطرحون القيادة الفلسطينية على انها تسعى بصورة متعصبة إلى هدف غير منطقي يتمثل بالتطبيق الكاسح لحق العودة داخل حدود إسرائيل.

المحامي جلعاد شير، من الشخصيات البارزة في المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين في عهد حكومة باراك (1999 – 2001)، الذي في كتابه عن محادثات كامب ديفيد لم يرحم ياسر عرفات في انتقاداته، قال إنه "مقابل مرونة من جانبنا في الصياغات التي كان من شأنها أن ترضي احتياجات الصورة الفلسطينية، كانوا مستعدين للاكتفاء بذلك، ولا يطالبون بحق عودة فعلي إلى داخل إسرائيل".

حسب اقوال حاييم رامون، الذي كان شخصية مركزية في بلورة التفاهمات مع القيادة الفلسطينية خلال عملية انابوليس، فإن المفاوضات بشأن اللاجئين مع محمود عباس كانت في مرحلة متقدمة. رامون نفسه قدم للفلسطينيين وثيقة، التي حسب زعمه تمت بلورتها بمعرفة رئيس الحكومة اهود اولمرت، والتي بحسبها اظهرت إسرائيل استعدادها بالسماح لاكثر من 100 ألف فلسطيني بالدخول اليها، شريطة أن يتم ذلك خلال 15 سنة وليس خلال 5 سنوات مثلما طلب الفلسطينيون. هذا الموقف لم يتم تضمينه في اقتراح اولمرت لعباس. 

من الواضح أن مسألة اللاجئين كانت بعيدة عن الحل في عملية انابوليس، وأنه بقي للطاقم الإسرائيلي والطاقم الفلسطيني في المفاوضات طريق طويلة ومليئة بالعقبات من اجل حلها. ولكن من الواضح أنه اذا كنا نريد أن نجعل الفلسطينيين يتمسكون بالمطالبة بتطبيق حق العودة إلى داخل إسرائيل بدون تنازلات، فإن الطريق المضمونة لذلك هي طريقة وولف وشفارتس وامثالهما، التي هدفها تقزيم الكارثة القومية الفلسطينية والدوس بقدم صلبة على ذاكرتهم القومية.

وولف وشفارتس يطلبان من القيادة الفلسطينية الاعتراف بعدم الشرعية الاساسية لحق العودة، من خلال عرضه كمعادل لسرقة الاراضي الفلسطينية لصالح اقامة بؤر استيطانية غير قانونية. فعليا، هم يتوقعون أن يوافق الشعب الفلسطيني على أن المنع الخبيث لعودة الفلسطينيين إلى بيوتهم من العام 1948 – الذي مكن من سرقة املاكهم من اجل مساعدة استيعاب الهجرة وضمان اغلبية يهودية، كان عملية اخلاقية وشرعية. نوع من العقاب المتوازن لرفض الفلسطينيين التسليم بتقسيم البلاد بينهم وبين الذين جاءوا من فترة قصيرة لهدف واضح وهو تحويل سكان البلاد إلى أقلية.

لم يخلق بعد شعب يحترم نفسه كان مستعدا لهذا النوع من الاذلال الذاتي وانتهاك علني لذكرى صدمته القومية. لا شك أنه ازاء هذا الطلب غير المنطقي، الذي يتجاهل بصورة فاضحة مما وصفه جلعاد شار كحاجات لصورة الفلسطينيين في مسألة النكبة، أيضا المعتدلون في اوساط الفلسطينيين لن يبقى امامهم خيار سوى الانتقال نهائيا من اسطورة العودة لاغراض شكلية إلى اسطورة العودة كأمر عملي. يمكن القول إنه بهذا سينتهي نهائيا حل الدولتين.

التعليق