العقدة الغودرية التي تُدعى إدلب تتحدى إردوغان

تم نشره في السبت 22 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً

يافوز بايدار* - (أراب ويكلي) 9/9/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تتسلط الأضواء الآن على محافظة إدلب السورية، لكن الآثار الارتدادية لكيد السياسات الإقليمية التركية تبدو واضحة أيضاً. وبينما يشرع الهجوم السوري -مدعوماً من روسيا، وفي السر من وحدات الميليشيا الموالية لإيران- ضد الأهداف الجهادية في الجيب في أن يتخذ شكلاً، تعرض إدلب من التحديات أكثر مما تعرض من الفرص على إدارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.
ينبغي أن يدفع الهجوم الوشيك أنقرة أقرب نحو فقدان السيطرة على مسار الأحداث في المستنقع السوري. وقد رتبت روسيا وإيران عقد قمة في طهران مؤخراً كامتداد لعملية أستانة. ولم يكن أمام إدارة إدروغان خيار سوى الحضور، على أمل عزل نفسها عن الأزمة -إن لم يكن تأجيل شن هجوم واسع النطاق على إدلب.
ولكن، ما مِن سبب للاعتقاد بأن لدى أنقرة أي وسائل للنفوذ. ولطالما كانت روسيا حازمة بشأن نيتها تطهير المنطقة من الجماعات الجهادية المسلحة. وهي تتمتع بدعم الصين في ذلك. فلدى كل من روسيا والصين أعداد كبيرة من الجهاديين الشيشان والإيغور في المنطقة. وتقول التقارير الإخبارية إن العديد من الجهاديين ذهبوا إلى سورية عبر تركيا، فقط ليتم دفعهم إلى إدلب عندما أُجبِروا على الانسحاب من معاقل "الدولة الإسلامية" وتنظيم القاعدة.
عشية قمة طهران، اتخذت تركيا خطوة كانت صغيرة جداً، ومتأخرة جداً، فصنفت أنقرة "هيئة تحرير الشام" منظمة إرهابية. وهي الجماعة الجهادية المهيمنة في إدلب، والتي تضم عناصر من "جبهة النصرة"، وهي فرع لتنظيم القاعدة.
بالنسبة لروسيا والصين -والولايات المتحدة أيضاً- كان يجب أن يحدث هذا منذ وقت طويل. وربما تعطي خطوة تركيا المتأخرة لها بعض المتسع لالتقاط الأنفاس في عملية أستانة، لكنها ستراكم على المدى الأبعد مزيداً من المخاطر على الحدود.
وبالنسبة لسورية وراعيتها، روسيا، تشكل إدلب نهاية لعبة حاسمة. وتقع إدلب في مركز نقطة الالتقاء بين حلب ودمشق واللاذقية. وسوف يؤشر احتلال إدلب على المرحلة الأخيرة من استعادة وحدة سورية. كما سيكون بمثابة إعادة تأكيد على الوجود الروسي -بكل الأبعاد- في ذلك البلد.
وبذلك، يغلق منطق إدلب الباب أمام أي تقارب إضافي تتبناه أنقرة تجاه المعارضة الجهادية لنظام الرئيس بشار الأسد.
بالوجود في موقف متعارض بحدة مع حليفتها القديمة، فإن الولايات المتحدة لم تكن تساعد تركيا. وكانت زيادة السيطرة الكردية في شمال شرق سورية، إلى جانب منطقة الحدود مع تركيا، من الأسباب الرئيسية التي جعلت إردوغان ينهي عملية السلام الكردية في الوطن قبل ثلاث سنوات. وقد خلف ذلك القرار رد فعل متسلسلا؛ حيث عزز القومية المتطرفة، ومنح روسيا وإيران مزيداً من النفوذ لاحتواء أنقرة. وعادت خاصرة تركيا الضعيفة -معارضة التطلعات الكردية إلى الحكم الذاتي- لتصبح مشكلة مرة أخرى، والتي تنطوي هذه المرة على تداعيات معيقة.
تبدو تركيا مشلولة تماماً بينما تواجه تصادماً في المصالح مع روسيا حول الجهاديين، حتى في وقت وجود خلاف بينها وبين واشنطن حول الأكراد. ولنفكر في الصورة التي نشرت يوم 6 أيلول (سبتمبر)، والتي ظهر فيها الجنرال الأميركي، باول فونك، مع فرحات عبدي شاهين، القائد الأعلى لوحدات حماية الشعب الكردية.
ما الذي سيحدث تالياً؟ ما الذي يخبؤه المستقبل لأنقرة في إدلب؟
ربما تكون حجة تركيا الأساسية هي ضرورة احترام مناطق خفض التصعيد. وبالنسبة لموسكو، ربما تكون الأجندة هي دفع تركيا إلى عقد محادثات ثنائية مع الأسد. ويغلب أن إردوغان لا يرغب في خلق أزمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
سوف تُختزَل مسألة إدلب -ويجب أن تفعل- إلى شيء واحد: أعلنت الأمم المتحدة أن 800.000 شخص على الأقل سيتأثرون بالأعمال العدائية. وسوف لا يترك لهم حصار يُضرب على المنطقة مكاناً ليهربوا إليه سوى تركيا.
وهكذا، ربما يكون الوقت قد حان لكي تتخلى أنقرة عن كل طموحاتها السياسية والعسكرية في سورية، وأن تركز على الأبعاد الإنسانية. وتبدو معضلة إردوغان واضحة في هذا الصدد: هل يجب أن يحشد للتعامل مع التدفق الممكن، أم أن يسعى إلى توسيع الأزمة عن طريق التدخل عسكرياً في المناطق السورية التي يسيطرعليها الأكراد، مثل منبج؟
تبقى الجهود التي تبذلها تركيا لاستضافة وإطعام أكثر من ثلاثة ملايين من ضحايا الحرب السورية جديرة بالثناء، مقارنة بانعدام الإحساس المشين لدى بعض حكومات أوروبا الوسطى. والآن، ينبغي تشجيع أنقرة على فتح أبوابها للاجئين، مع الوعد بتلقي المساعدة من المنظمات الدولية.
قد تكون إدلب ورقة رابحة بيد إردوغان عندما يلتقي مع زعماء الاتحاد الأوروبي في الأسابيع المقبلة. وفي نظر المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، على سبيل المثال، ربما يكون إردوغان هو الضامن للجهود التي تُبذل لإبقاء اللاجئين السوريين خارج أوروبا.
سوف يكون هذا بمثابة نقطة تحول أخرى لرجل تركيا القوي. ويمكن أن يستخدم أزمة اللاجئين المقبلة لفتح فصل جديد مع الاتحاد الأوروبي، وتطبيع العلاقات، وهو ما يحتاج إليه بشدة.
مع ذلك، قد يختار إردوغان، في انسجام مع سجله، مواجهة أزمة على اتباع نهج قائم على التسوية. وسوف نرى ما ستجلبه الأيام المقبلة.

*كاتب عمود تركي بارز، ومحلل للأخبار. وهو عضو مؤسس لمنتدى الصحافة الحرة في إسطنبول، وكان يغطي أخبار تركيا ويراقب قضايا الإعلام منذ العام 1980. وهو حاصل على جائزة الصحافة الأوروبية في العام 2014، كما أنه حاصل على "جائزة الصحفي" الألمانية في العام 2018.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Gordian knot called Idlib challenges Erdogan

التعليق