علاء الدين أبو زينة

ما موقف العرب في حقبة صعود القومية..؟!

تم نشره في الأحد 23 أيلول / سبتمبر 2018. 12:06 صباحاً

يتحدثون في الغَرب عن اتجاه صاعد يدعى "القومية الجديدة"، Neo-nationalism، أوNew Nationalism. وهي "نوع من القومية التي صعدت في منتصف العقد الثاني من القرن الجديد، (أي قبل نحو أربع سنوات) في أوروبا وأميركا الشمالية -وإلى حد ما في مناطق أخرى. وتتصل هذه القومية الجديدة بالعديد من المظاهر، مثل صعود الشعبوية اليمينية، ومناهضة العولمة، وتفضيل السكان الأصليين، والحمائية، ومعارضة الهجرة، ومناهضة الإسلام والمسلمين، والتشكيك في الاتحاد الأوروبي حيث يمكن ذلك". ووفقاً للباحث مارك موفيسيان، فإنه تبين أن "المقاومة القومية لليبرالية العالمية هي القوة الأكثر تأثيراً في السياسة الغربية". وكان من أبرز نتائج صعود "القومية الجديدة" استفتاء بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة.
بالتعريف، تبدو "القومية الجديدة" الغربية اتجاهاً انكماشياً نحو تضييق الهويات والعناية بمصالح تكوينات أضيق على حساب توسيع جماعة المتشاركين في المصلحة. ويشخِّص المتابعون تجسُّدات القومية الجديدة الأوروبية، بمعنى كراهية التعددية الثقافية والأديان الأخرى والناس الآخرين، كمظاهر سلبية. ويتحدثون عن آثار ضارة لتفكيك التحالفات والترتيبات الجامعة، مثل الاتحاد الأوروبي أو الاتحادات الجمركية والتحالفات العسكرية. وفي الحقيقة، لم تكن هذه الأشكال من الهيئات فوق الوطنية قد ألغت القومية الغربية بالمعنى العاطفي –الانتماء الوطني إلى الأمة الفرنسية أو البريطانية أو الألمانية وغيرها بشكل أساسي. وعلى أي حال، فإن ما يجري الآن هو أن الغرب، والشرق، وكل الأماكن تقريباً تعود إلى القومية عاطفياً وعملياً. وهي الأداة التي تدفع روسيا إلى محاولة استعادة الهيبة، والصين إلى محاولة تأكيد الهيبة وأن تكونا ذواتي صلة في العالم المتنافس، وإيران وتركيا إلى محاولة الهيمنة الإقليمية... وهكذا.
في المقابل، إذا قلتَ "قومية عربية" أمام بعض العرب مرتين، أغمِي عليهم. بل إن هناك هروباً غير مفهوم من إعادة التفاوض مع هذا المفهوم عندما يتعلق الأمر بالعرب بالذات، في تناقض مع اتجاهات العالم كله. كل ذلك مع أن البدائل: الدولة القطرية، والقبيلة، والطائفة الدينية، والاستجارة الفردية بأي قوى عظمى خارجية، أسفرت فقط عمّا نشاهده اليوم في أوطاننا من دمار، لا أكثر ولا أقل. وقد استأسد علينا القاصي والداني واستباحونا تماماً، من العرب الأغنياء إلى البؤساء. ونحن مصابون الآن في سبل عيشنا اليومي ونفسياتنا المشوهة، وأزمتنا مع الهوية التي جعلتنا ننفصل ونتقاتل على أساس هويات تزداد ضيقاً.
لا تخرج القومية العربية، أو العروبة، كمفهوم، عن كونها "الإيمان بأن الشعب العربي شعب واحد تجمعه اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافيا والمصالح، وبأن دولة عربية واحدة ستقوم لتجمع العرب ضمن حدودها من المحيط إلى الخليج". حسب تعريف "ويكيبديا". بل إن المؤمنين بالعروبة، كهوية، على هذه الأسس تخلوا عن فكرة الوحدة الاندماجية والدولة العربية الواحدة، واقترحواً مفهوماً أكثر براغماتية للوحدة العربية، "أقرب إلى المشروع الأوروبي، أي الدعوة للانصهار في كتلة ذات سياسة خارجية موحدة، وذات ثقل اقتصادي كبير يقوم على التكامل الاقتصادي والعملة الموحدة وحرية انتقال الأفراد والبضائع بين الأقطار المختلفة، بالإضافة لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك للوصول إلى اتحاد عربي مع المحافظة على خصوصيات اجتماعية أو ثقافية قد توجد في بعض المناطق العربية".
ما العيب في هذا التعريف؟ لا أدري. لكن البعض يتذرعون لرفض الفكرة بشيئين أساسيين: هزيمة 67 أمام الصهاينة التي تحمل المسؤولية عنها مشروع
عبد الناصر القومي، ونشوء أحزاب رفعت شعار القومية العربية، لكنها استخدمته للاستئثار والقمع. وفي الحقيقة، لو كان العرب موحّدين حسب التوصيف النظري للقومية في 67، لأمكن غالباً تجنب الهزيمة. أما الأحزاب المعنية، فقد خانت المفهوم بتمييزها ضد فئات شعوبها نفسها بدلاً من التجميع. وبذلك، يكون الخطأ في التطبيق وليس في الفكرة.
إحدى سمات القومية العربية أنه في حين أو "القومية الجديدة" الغربية هي اتجاه متراجع نحو تضييق الهوية، فإن القومية العربية هي اتجاه تقدمي نحو توسيع الهوية على حساب الهويات الفرعية. وبذلك، يُفترض أنها تسير في عكس الاتجاهات النرجسية السلبية الموصوفة في تعريف "القومية الجديدة". وبالوسع تصوّر إيجابيات استعادة القومية العربية ومفاوضتها، والتي ستثبت دائماً أنها ربما الحل الوحيد الآمل لمستقبل العرب.

التعليق