فريهان سطعان الحسن

"رويد".. كان يكفيه مجرد ابتسامة

تم نشره في الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

يصحو باكرا بفرح غامر، وهو يرسم في مخيلته شكل المغامرة التي يوشك أن يخوضها، فيرتدي ملابسه الأنيقة، ويحمل حقيبته المدرسية بين يديه، وينطلق بحماسة لا يؤثر عليها فقدانه طرفيه العلويين، فالاستسلام مرفوض من حيث المبدأ.

كان هذا الاختبار الأول للطفل الجميل "رويد" ذي الأربع سنوات، وهو لم يدرك أنه سيكون اختبارا صعبا، وأن عليه الدخول في مواجهة حقيقية مع مجتمعه الجديد.

يرافق والدته لذلك المكان الواسع والذي سيقضي فيه سنوات طويلة من عمره. يدخل أبواب عالم جديد مليء بأطفال كان يعتقد أنهم مثله؛ يشبهونه ويحبون الاشياء نفسها التي يحبها، وينحازون إلى ألعاب و"مقالب" يحبها هو أيضا. كان يمني النفس بلحظة لقائهم، حيث سيلهو معهم ويتعلم كلمات جديدة.

 لم يشعر يوما بالاختلاف، ربما لأنه يعيش بين عائلة تحبه وتتقبله ولا تشعره بالاختلاف. كانت صدمته الحقيقية من عيون تلاحقه وتنظر اليه باستغراب حينا، وبذعر وخوف أحيانا كثيرة. سنوات عمره القليلة لم تمنعه من أن يشعر برفض الآخرين وابتعادهم عنه. لربما أدرك حينها أنه لا يشبه أحدا سواه!

ومع ذلك كله، أراد أن يبقى معهم، ويجد له مكانا بينهم في هذا المجتمع. ينام مبكرا ليصحو نشيطا ويذهب لمدرسته الجديدة بحب وأمل ورغبة بالحياة.

لكن ذلك المجتمع الصغير رفضه، ولم يحترم إنسانيته بل أشعره بالاختلاف، فبعد أقل من 4 أيام على ذهابه إلى إحدى المدارس الخاصة في الزرقاء، خضعت الإدارة لشروط المكان، فتلقت والدته اتصالا من المدرسة بأن عليها الحضور لاستلام ابنها كونه "يسبب الرعب والخوف والذعر للطلبة" بسبب فقدان أطرافه العلوية!

الوالدة حاولت مرارا وتكرارا أن تجد مدرسة لصغيرها، لكن كل الأبواب أغلقت في وجهها رغم أن رويد يتمتع بعقل سليم ونسبة ذكائه عالية. وكأن هذا الطفل كتب عليه أن يبقى سجينا بين زوايا المنزل، وأن تصادر كل حقوقه بالعيش المشترك المبني على احترام حقوق الإنسان مهما كان لونه أو شكله أو جنسه أو إعاقته.

حينما يولد الطفل يكون صفحة بيضاء، إذ يتشرب من والديه كل القيم والسلوكيات والمبادئ. يأخذها معه لمدرسته وجامعته، وعمله، وكل مساراته الحياتية. لذلك من أهم هذه الأسس تقبل الآخر المختلف، لكن للأسف الشديد، الكثير من العائلات ساهمت بإنتاج أطفال منغلقين وأنانيين، ولا يتمتعون بالحس الإنساني القويم، ويمارسون أشد أنواع التنمر والإقصاء.

بالنظر إلى التجربة المريرة التي اختبرها رويد وعائلته، تتكشف الحاجة الملحة إلى أن نعيد حساباتنا في المنظومة الفكرية والقيمية التي تشيع بيننا في الوقت الحاضر، خصوصا أن أبناءنا اليوم لم يتربوا على مفاهيم التكافل الاجتماعي، بل يعيش كل واحد منهم في قوقعته الخاصة، مستغنيا عن العالم الحقيقي بعالم غير واقعي يصنعه كما يريد من خلال الثورة التكنولوجية الرقمية.

هذا الانفصال عن الواقع كرّس الذاتية، وهدم جسور التواصل والتفهم والتقبل عند الكثيرين، وهي صفات ينتج عنها العنصرية والتمييز، وفي طريقها لأن تصبح أمراضا خطيرة ستصيبنا في مقتل إن نحن بقينا على تعامينا عن خطورتها! 

وزارة التربية والتعليم تابعت حالة رويد بعد أن ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي، وستختار له مدرسة تلائم وضعه. ولكن كم "رويد" يعيشون بيننا داخل أسوار عالية، مسلوبي الإرادة في مجتمع يصادر حقهم بالحياة والحلم والإحساس بالأمان!!

التعليق