عقد على الأزمة المالية العالمية: (2) هل من أزمة أخرى مقبلة؟

تم نشره في الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

د. عبدالحليم محيسن

 

لا تختلف الآراء بين المختصين والخبراء في الشأن الاقتصادي بأن العالم ما يزال يعيش تداعيات الأزمة المالية العالمية في العام 2008، وأن النمو العالمي ما يزال هشاً في أكثر من دولة ومنطقة اقتصادية بالرغم من المؤشرات الإيجابية في عدد منها.

وهناك العديد من الإرهاصات والمؤشرات الاقتصادية التي تشير جميعها باتجاه أزمة اقتصادية أخرى تلوح في الأفق، وإن اختلفت الآراء حول مدى قربها أو بعدها ومدى شموليتها. ولعل من أبرز هذه الإرهاصات والمؤشرات ما يأتي:

1 - إن ما تم حتى الآن من علاجات قدمت للأزمة العالمية كانت بمثابة المسكّنات التي تعالج ظاهر المرض لا أسبابه الحقيقية، فالنظام المالي المصرفي سبب الأزمة ومشعلها (سواء في العام 2008 أو في الكساد العظيم العام 1929)، ما تزال الأطر التنظيمية والرقابية والإشرافية عليه غير كافية لضبط عمل هذا النظام، بحيث تعيده إلى مجال عمله الرئيسي كوسيط بين المدخرين والمستثمرين بعيداً عما يمكن أن يطلق عليه "المقامرات والمغامرات المالية" في أدوات الائتمان عالية المخاطر.

2 - إن اعتماد الدول المتقدمة على "التيسير الكمي" في معالجة الأزمة ولد أزمة مديونية عالمية غير مسبوقة سواء المديونية العالية لأميركا، والأزمة الكامنة في قروض الطلبة وبطاقات الائتمان للأفراد هناك، أو المديونية المرتفعة للشركات الصينية، ومديونية اليونان وبعض الدول الأوروبية كالبرتغال وإسبانيا وغيرهما من الدول تشكل في مجموعها بواعث وأسبابا إلى احتمالية عالية لحدوث أزمة اقتصادية عاصفة غير متوقعة في أي لحظة ووقت.

3 - التقدم الهائل والسريع، وغير القابل للسيطرة، في رأيي، في مجال المعاملات المالية والمصرفية الإلكترونية عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين وغيرها من التقنيات المماثلة وما رافقها من بروز لافت للعملات الإلكترونية كالبتكوين وأخواتها. وبطبيعة الحال، لا يخفى على أحد ما يحمله هذا الأمر من مخاطر كامنة وربما ظاهرة على النظام المالي والمصرفي العالمي.

4 - الحرب التجارية التي تدور رحاها بين أميركا وعدد من الدول كالصين ودول الاتحاد الأوروبي، وعودة الحمائية التجارية، سوف تؤثر لا محالة إن استمرت سلبا على استقرار معدلات نمو الاقتصاد العالمي الهشة أصلاً، مما قد يزيد من مخاطر حدوث أزمة اقتصادية ليس في المجال المالي فقط، بل وأيضاً في الاقتصاد الحقيقي.

5 - المحاولات الأولية التي بدأنا نلمسها من بعض الدول والمجموعات الاقتصادية العالمية في عقد اتفاقيات ثنائية ومشتركة لاعتماد وقبول عملاتها المحلية لتسوية المبادلات الاقتصادية والتجارية فيما بينها عوضاً عن الدولار، وهي محاولات ستكتسب زخما كبيرا ومستمرا، حسب توقعاتي، في المستقبل اذا استمرت أميركا في تبني سياسات اقتصادية غير حكيمة تضر بمصالحها ومصالح دول العالم جميعا.

علينا أن نستعد جميعا حكومات وأفرادا لأزمة اقتصادية عالمية جديدة لا مناص من قدومها، ولا يعلم مداها وتوقيتها إلا الله سبحانه وتعالى، ولعل من أهم الخطوات المطلوبة أن نعمد الى عقد اتفاقيات ثنائية مع العديد من الدول، وخاصة العربية، لقبول العملات المحلية لتسوية المدفوعات الاقتصادية معها، وهو ما تم مناقشته مؤخرا ضمن إطار الجامعة العربية التي ندعو الله أن تنجح هذه المرة في تنفيذ هذا الأمر على أرض الواقع.

التعليق