حنان كامل الشيخ

"قلق"!

تم نشره في الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً

ظاهرة التنمر الصارخة التي تجتاح حوارات وتعليقات وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت بحاجة إلى دراسة حالة تستدعي أطراف الموقف كافة، من أكاديميين واختصاصيين في علم النفس والاجتماع وحتى طب الدماغ والأعصاب إن لزم الأمر!
كمية الغل والحقد واصطياد الأخطاء المقصودة وغير المقصودة، تملأ فراغات الحديث وجدران الحوار ومساحات كانت لتكون أكثر احتراما وأرفع قيمة، لو أننا فقط تذكرنا بأن من يقف خلف تلك الشاشات هم بشر في بداية الأمر، والبشر خطاؤون بطبعهم، ويحق لهم أن يقعوا في الغلط أحيانا لأسباب تربوية وخلقية وتعليمية وغيرها.
ما هذا السواد الغامر الذي يحتل أماكن مخصصة ومفتوحة للتعليق وإبداء الرأي؟ لماذا علينا أن نجرح ونشتم ونتغول في استخدام التشبيهات، التوصيفات البشعة، حين يكون الرأي مختلفا، أو تكون الحالة غير متوائمة مع نظرياتنا ومبادئنا أو حتى أفكارنا المكتسبة؟
ثم أين كانت تلك اللغة غير المؤدبة والمصطلحات الخارجة، قبل أن تفتح مواقع التناحر الاجتماعي نوافذها وأبوابها مشرعة لكل من هب ودب، يحلل ويقرأ ويقرر ويحكم على أي آخر متاح؟
للأسف فحتى الاحترام الفطري ما بين الصغار والكبار، الرجال والنساء، المعلمون والتلامذة، المجربون والأغرار، ما عاد لها وجود إلا في الحكم وأبيات الشعر والصور والمنشورات الجاهزة للتداول السريع، لإثبات حسن النوايا وجميل التصرف، في ذات المكان والزمان الذي يتسع للسباب والشتم واستعمال أشرس وأبذأ الأوصاف التي كانت يوما ما سببا وجيها للدخول إلى النار!
الغريب أن مثل هذا الانحدار الذي نشاهده ونسمعه صوتا وصورة، وأحيانا على الهواء مباشرة، والذي لا يفرق ما بين كبير وصغير، تافه وأثير، صار متقبلا ما بين جموع المرسلين والمتلقين، في رسالة واضحة ومباشرة بأن منظومة الأخلاق المنهارة التي كنا نحصرها قبل أعوام قليلة ماضية في التصرف على الطريق مثلا، أو السلوك العام في الشوارع والجامعات والمدارس، صارت منظومة منظمة ومحددة الأهداف وماضية إلى هاوية مرسومة ومعروفة الأحداثيات، بدون أن تجد أمامها رصيفا يحدها أو حجرا يعرقل سيرها.
كل الأسباب مؤدية إلى نجاح مهمة السقوط و بامتياز، وكأن العالم الفارغ الذي بتنا نصبح ونمسي وننام فيه، هو ملاذ الإنسانية المحض للحريات وحق الرد بأي وسيلة متاحة، وأي شتيمة تخطر على البال أولا.
لا يمكن أن يستوعب جيل كامل ممن أتيحت له فرصة الاقتراب من عالم التكنولوجيا وكان قد عاش معظم حياته قبلها بالأدوات التقليدية البائدة، بأن تهان سيدة على سبيل المثال نختلف معها بالرأي والفكر والتوجهات، بأشبع الألفاظ السوقية التي يحتمل أن تمس الأهل والشرف والأصول. كما يستحيل على هذا الجيل أن يمرر ألفاظا خارجة موجهة لشخصيات اعتبارية لمجرد التعبير عن الغضب من قرارات أو إجراءات تمس حياة الناس.
كل السبل مفتوحة للحوارات والنقاشات المهذبة المبنية على الحقوق والحريات وقدسية الاختلاف واستيعاب الخلاف. إنما أن تضيع الحقوق وتختلط المفاهيم وكأننا في سوق "الحرامية"، فإن تفسيرين لا ثالث لهما يشرحان تسونامي العيب الذي اجتاح منطقة الأخلاق، وهز أركان البنية الاجتماعية والتربوية والدينية لدينا؛ فإما الأمر ممنهج ومدروس ومتقصد لإضاعة الحابل بالنابل، وإلهاء المحاربين بغنائم وهمية زائلة، بهدف الالتفاف على مشكلة حقيقية ومصيبة محققة ستفاجئ الشعب. وإما أن الناس فعلا كانوا كذلك منذ أمد بعيد، وكانوا يتحينون شاشة مفتوحة وسقفا واسعا لينهاروا بحفلة جماعية.
مقلق ما يحدث مع أناسنا الطيبين، أو الذين كانوا!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إعجاب بمثل هذه المقالات (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الثلاثاء 25 أيلول / سبتمبر 2018.
    نعم..ننادي معاً الى "حفظ التراث الاخلاقي الموروث" ولكن متأخرين جداً ، ونسينا شعارنا" انما الامم الاخلاق ما بقيت.. " ودعمنا الألفاظ السوقيه والتافهه حتى في المسلسلات والأفلام... حتى قضينا على مفهوم"العيب"..اليس كذلك؟؟
  • »نظام حكمنا هو الأقرب لحكم راشد وهذا هو عقد الأردن الاجتماعي وأساس استقراره شرط أن يقوم الجميع بواجباتهم (تيسير خرما)

    الثلاثاء 25 أيلول / سبتمبر 2018.
    نظام حكمنا هو الأقرب لحكم راشد نشأ بشرعية مبايعة عشائر وقبائل وذوات من كل منبت لقيادة هاشمية جيدة أمينة لمبادىء ثورة عربية كبرى تستند لثقافة عربية إسلامية وانتماء مستمر لعالم حر وقيم انسانية بنظام حكم دستوري ملكي نيابي ودين الدولة الإسلام فيحترم مكونات وحقوق إنسان ومرأة وطفل ويحمي نفس ومال وعرض ومساواة أمام عدالة أسوةً بأول دولة مدنية بالعالم أقامها سيدنا محمد (ص) قبل 14 قرناً وهذا هو عقد الأردن الاجتماعي وأساس استقراره شرط أن يقوم الجميع بواجباتهم فتقصيرهم قاد لفوضى وكاد يدفعنا باتجاه نفق مظلم.