علاء الدين أبو زينة

خضوع الجموع..!

تم نشره في الخميس 27 أيلول / سبتمبر 2018. 12:06 صباحاً

في أحد مشاهد الدراما السورية "ولادة من الخاصرة"، يزور نائب المحافظ مجموعة من الناس المسحوقين. ويصحب معه، كعادة المسؤولين، مجموعة من الكاميرات ليستعرض إعلامياً بنشاطه. والناس الذين يزورهم فقراء، وجيران قادمون من حارة واحدة، هدمت الدولة بيوتهم القديمة التي لفقوها بشق الأنفس، ونقلتهم إلى إسكان بعيد، وألزمتهم بدفع ثمن البيوت الجديدة. وفوق البُعد، كانت منطقتهم الجديدة مفتقرة إلى المياه والكهرباء والطرق ومعظم الخدمات.

يبذل المسؤول الوعود للناس الواقفين أمامه بتعبيد الطريق "في أقرب وقت ممكن". ويحدثهم عن قلق "القيادة" عليهم وعملها الدؤوب من أجلهم، لأن همها الأوحد هو راحتهم وضمان كرامتهم و"إبقاء رؤوسهم مرفوعة". ويظهر الجميع بمظهر المصدِّق لكلام المسؤول –سوى شخص واحد، جندي سابق متقاعد من الجيش كان قد خاض حرب تشرين، والذي يجرؤ على التعبير عن حقيقة مشاعره، وغالباً مشاعر كل الحاضرين. وعندما يتصدى لمزاعم المسؤول ويفندها، يطلب منه الحاضرون الآخرون السكوت. وبعد جدله مع المسؤول الذي يطلب إطفاء الكاميرات، وإخراج الرجل الشجاع من المكان، يعاد تشغيل الكاميرات ويواصل المسؤول خطابه الرنان، ويصفق له الحاضرون أكثر من السابق.

من المؤكد أن هؤلاء الناس يعانون جميعاً مما يعاني منه الشجاع الوحيد، لكنّهم ربما لا يجرؤون، أو يخافون، أو ينقِّبون عن أمل مختلق في كلام المسؤول، أو هم يائسون من بذل المحاولة من الأساس. ومن التجارب التي يعرفها معظمنا في الحياة، والتي تتشابه مع مشهد الدراما المذكور في الموضوع وتختلف في التفاصيل، فإن الناس يطوِّرون تصالحاً مع الخنوع، بل وربماً حُباً غريباً للسلطة ومَن يمثلونها، وميلاً إلى تصديق مزاعمها، وادعاء للتماهي معها –ربما طلباً لشعور واهم بالحماية.

هذا التطامُن الذي تدأب مختلف السلطات على تكريسه عند الجموع، نجد مثله في العائلات مع الأب وشيخ القبيلة، وفي بيئات العمل مع المسؤول وصاحب العمل، وفي دور العبادة مع الشيخ والقسيس، بل وحتى أمام موظف الدولة الصغير الذي يقدِّم الخدمة للجمهور وكأنها هبة علوية. وكثيراً ما تحسُّ السلطات في العالَم غير الديمقراطية بأنها حققت أقصى المنى إذا صنعت هذا "الرضا" الخانع عند الجموع، وحولتها إلى قطيع بعقل وعاطفة محيّدين، والذي يعزل الأفراد الذين ربما يسألون قائد القطيع عن الوجهة أو يشاكسون.

هذه الصنعة للسلطات المألوفة لنا تماماً، هي في الحقيقة أسوأ ما يتفتق عنه رأي. فهي أولاً تصنع كائنات محايدة خاملة الإدراك والحُكم، والتي لا تستطيع أن تُعاون بمشورة أو أن تبدع في حل أو أن تعمل بكفاءة في تنفيذ أي مشروع. ثم، ثانياً، إذا هاج هذا القطيع "البشري" الذي بدا مُخدّراً، نتيجة لخوف أو جوع أو هجوم ذئاب، كشف هذا الخضوع المتطامن عن أسوأ الغرائز الحيوانية، بل وبطريقة أسوأ من الحيوان لأن البشر يمتلكون أدواتهم الأكثر تعقيداً للفتك والمكر.

من الطبيعي أن المعوَّد على إلغاء نفسه ورغباته والتآمر على نفسه أمام السلطات، وكذلك خيانة جاره والمشاركة في رجمه إذا تميز عنه بالجرأة، لن يجد صعوبة أخيراً في إهلاك جاره أو حتى الإلقاء بنفسه هو إلى التهلكة. وفي الحقيقة، كان كل أو معظم الذين يشاركون الآن في الحروب الأهلية، وينفذون الإبادات الجماعية وأشكال القتل الوحشية التي يعجز عنها الشيطان، جموعاً متطامنة من هذا النوع الذي يصفق للخطابات. وهم يقتلون الآن جيرانهم الأقربين ويخربون أوطانهم بأيديهم. وكلما زادت درجة التخلف وتحييد العقل وتخدير ملَكة الحكم السليم التي تحققها السلطات، كلما كان السلوك المتوقع من هذه الجموع –إذا أفلتت- أفظع وأكثر تدميراً.

الذي يربّي الجموع المتطامنة ويتصور أنه روضها بالمخدرات الخطابية، هو بالضبط ذلك الذي يربّي وحشاً في منزله، ولا يعرِف متى ينقلب ويهاجِم مروِّضَه فيمن يهاجم. ولا ينبغي أن ينخدعَ أحدٌ بالخضوع الجماعي الظاهري ويتصوّر أنه حالة مستقرة. وإذا عُدنا على البدء، فإنّ الجمع المصفق للمسؤول الكاذب في الدراما السورية المذكورة، هو نفسه الذي يشارك فيما بعد الحرب الأهلية، وإنما الذي يشكك أفراده في بعضهم البعض ويتقاتلون فيما بينهم ويقتلون بعضهم، ولا يميزون هدفاً مشتركاً.

تبدو التحولات، بهذه الكيفيات نفسها، واقعية تماماً في ما نعيشه. والخوف، حدّ الفزع، أكثر من مبرر!

التعليق