الأنانية

تم نشره في الجمعة 28 أيلول / سبتمبر 2018. 12:08 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

من الشيء الطبيعي أن يحب الإنسان ذاته، وأن يسعى لمصالحه، وأن يحرص على إشباع حاجاته، فهذا مركوز في فطرته ومطبوع في كيانه، وليس هذا شيئاً مذموماً أو ممنوعاً شرعاً؛ فالشرع لا يدعو إلى مخالفة الفطرة أو مناقضتها والخروج عليها؛ لأن ذلك من التكليف بما لا يطاق الذي لا تأتي به شريعة الإسلام، لقوله تعالى: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا".
ولكن الأمر يصبح مذموماً شرعاً وممقوتاً طبعاً عندما يتحول حب الإنسان لذاته وحرصه على مصالحه إلى حالة مَرضية، لا يرى معها غير مصالحه، ولا هم له في هذا الوجود سوى إشباع حاجاته وتحقيق رغباته بأي وسيلة كانت، حتى وإن كان ذلك على حساب مصالح الآخرين وعذاباتهم، عندئذٍ تنتفي عن الإنسان صفة الإنسانية ويتحول إلى كائن آخر أقرب ما يكون إلى الوحوش الضارية والمفترسات القاتلة.
وإذا وصل الأمر إلى هذا الحال عندها تنتشر بين الناس الكراهية والبغضاء ويغيب عنهم التضامن والتكافل الاجتماعي، فينتشر الفقر والعوز والحرمان في داخل المجتمع، ويغلب عليه الصراع والفوضى، وتسوده شريعة الغاب، التي تقضي بأن البقاء للأقوى؛ أي الأكثر أنانية، وتصبح المصالح العامة ليست بذات قيمة أو اعتبار؛ مما يؤدي إلى اختلال المجتمع وتفكك روابطه وجعله لقمة سائغة سهلة لأعدائه.
لأجل ذلك دعا الإسلام المسلم إلى تهذيب ذاته والتحكم في غرائزه، فلا يجعل من منفعته الذاتية المفرطة معياره الوحيد للحركة والنشاط، ولا يعتبر مصالحه الشخصية البحته منارته المتفردة في سيره وتفاعله مع هذا الوجود، فقال تعالى: "وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" فلا فلاح لفرد ولا لمجتمع مع الأنانية وحب الذات، وقال عليه السلام: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، فلا يكتمل إيمان المسلم ويسمو إلا إذا استقر في وجدانه محبة الخير للآخرين كمحبته لذاته، وكراهية الشر لهم كما يكرهه لنفسه، وهو ما يتناقض كفاحاً مع الأنانية والدوران حول الذات.
ولم يكتف الإسلام بدعوة المسلم إلى محبة الآخرين والتعاون معهم، بل دعاه إلى أبعد من ذلك حيث دعاه إلى إيثار الآخرين وتفضيلهم على النفس، فقال تعالى: "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ"، وقال تعالى: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا"، فالإيثار هو الخلق الإسلامي الراقي والداوء الناجع والبلسم الشافي الذي يعالج به الإنسان أنانيته الغاشمة ويداوي به حبه المفرط لذاته، وهو الذي يجعل منه إنساناً سوياً يحب ذاته وفي الوقت ذاته يحب الآخرين، ويسعى لمصالحه بدون أن ينسى مصالح غيره، ويعمل على إشباع حاجاته بدون إيلام أو إيذاء لغيره، فهو لا يرى في حبه لذاته وسعيه لمصالحه ما يتناقض مع محبته الآخرين ومراعاته لمصالحهم.
ليس كالأنانية خلق ذميم يشوه صورة الإنسان ويجعل منه مجرد كائن بيولوجي، يعيش لذاته ويسعى لملذاته لا تخرج حدود الكون عنده وعالم الحياة بالنسبة له على كونها مجرد كومة من مصالحه الذاتية ورغباته الشخصية، وهذا ما لا يستقيم من فلسفة الإسلام في الحياة والمقصد الأسنى من خلق الإنسان وتسخير الوجود له، ويتعارض صراحة مع قيم الإسلام وأخلاقه الرفيعة.

التعليق