عصابات تقود فتيات بعقود "زواج شرعي" لسوق الدعارة

تحقيق لـ‘‘الغد‘‘ يدخل عوالم تجارة الرقيق الأبيض في الأردن (فيديو)

تم نشره في السبت 29 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 30 أيلول / سبتمبر 2018. 12:31 مـساءً
  • مقر وحدة مكافحة الاتجار بالبشر في الامن العام بعمان (تصوير: اسامة الرفاعي)
  • ضابط خلال التحقيق مع ضحية استغلال جنسي (خاصة بـ"الغد")
  • محضر قضية اتجار بالبشر واستغلال جنسي من ملفات القضاء - (الغد)
  • محضر قضية اتجار بالبشر واستغلال جنسي من ملفات القضاء - (الغد)
  • محضر قضية اتجار بالبشر واستغلال جنسي من ملفات القضاء - (الغد)

تحقيق: حنان الكسواني 

عمان - ثلاثة بلدان عربية أنهكتها حروب وأزمات اقتصادية منحت تجار الرقيق الأبيض تأشيرة لإنعاش سوق النخاسة في الأردن، وارتكاب "جرائم صامتة" بحق نساء وقاصرات، ممن يجبرن على ممارسة "الدعارة" في شقق وفنادق عمّانية.
بعيدا عن عيون الأجهزة الأمنية، طوّر "تجار النساء" أساليبهم لاصطياد ضحاياهم، ملتفين على القوانين، لاستقدامهن إلى البلاد بـعقود عمل رسمية أحيانا، وبـ"زواج شرعي" أحايين أخرى، يجري عقدها بكلف مالية متواضعة، تصحبها حفلة عائلية، وتذكرة سفر، والنتيجة الزج بالعرائس الضحايا في عوالم "الجنس والمال".
من مناطق مسكونة بالفقر يلتقط تجار الجنس "زوجاتهم المفترضات"، قبل إغرائهن بشهر عسل ممتع في الأردن، وعمل لائق يدر عليهن راتبا شهريا مغريا، يحقق لهن أحلامهن بتحسين أوضاع أسرهن المالية، ويخفف عنهن قساوة الغربة، ومرارة الألم والحرمان.
بمجرد أن تحط أقدام "الزوجات المفترضات" ممرات المطار، يستقبلن من قبل أعضاء شبكات الاتجار بسيارات فارهة، على أنهم أصدقاء "أزواجهن"، وما أن يمر وقت قليل إلا وتنتهي طقوس الصداقة والزواج مع انتهاء شارع المطار، لتبدأ طقوس "العبودية" بخلع ثوبهن الأبيض وارتداء ملابس جديدة ملونة تغري زبائن، يبحثون عن اللذة والمتعة، وتعبئة جيوب "الزوج" بالأموال.
وقت ذاك تكتشف الفتيات طبيعة عملهن المرتقب؛ بيع أجسادهن وحجز حريتهن وضربهن وتهديدهن بالسلاح طمعا في مكاسب مادية "غير مشروعة"، تدر ألوف الدنانير والدولارات على مشغليهن، وفي حال تمردن أو عصين أوامر "النخاسين" يقابلن بسياط تأكل من لحم أجسادهن وتحجز حريتهن، ويهددن بالسلاح.
تجار "الرقيق الأبيض" لم يتوقفوا عن استقدام "زوجاتهم المفترضات" من جنسيات عربية مختلفة إلى الأردن، كونها طريقة آمنة تبعد عنهم أي شبهة جنائية، وتظلل منافذ شبكاتهم الإجرامية، حسب خبراء في حقوق الإنسان، ممن أكدوا لـ"الغد" أن عملية إثبات جرم الاتجار بالبشر في ضوء القانون الحالي "معقدة"، ما يدفع بالقضاة إلى الاستناد على قانون العقوبات، فتتجزأ الأحكام الصادرة بحقهم وتنخفض العقوبة.
"كبسولات هرمونية" وضحايا بعمر الورود
القاصر العراقية زهراء (17 ربيعا) انبهرت بخطيبها الأردني، وهو يعد أهلها بأن شهر عسلها سيكون في العاصمة عمان، وأنه سيوفر لها عملا لائقا يدر عليهم أموالا تنشلهم من براثن الفقر والجوع، ويؤمن لهم استقرارا معيشيا في ظل فوضى سياسية وأمنية تعيشها بلاد الرافدين.
بعد حفلة زفاف وهمية، توجهت زهراء بفستانها الأبيض من بغداد إلى مطار الملكة علياء الدولي، ليستقبلها عالم مجهول مع "نخّاسها"، الذي حطم أحلامها عندما بدأ بحجز جسدها لغيره مقابل 50 دولارا للزبون الواحد.
عندما رفضت زهراء الدخول في عالم "بائعات الهوى"، ما كان من "نخّاسها" إلا أن خدرها وضربها وأجبرها على احتساء الكحول وممارسة الجنس مع زبائنه، حتى أصيبت بنزيف داخلي حاد، أدخلت على إثره مستشفى خاصا.
وحسب إفادتها في محاضر رسمية، فإنها أمضت عشرة أيام وهي مريضة، قام بعدها الجاني بمساعدة إحدى العاملات معه في هذه التجارة "المحرمة" بإعطائها "كبسولة هرمونية لتضخيم جسمها"، وعندما ارتفع ضغط دمها وانهارت قاما بجرح جسمها بأداة حادة ليخرج الدم، لاعتقادهما أن ذلك يخفف من ضغطها.
لم تكن زهراء الوحيدة، بل التقت مع فتاتين من نفس منطقتها الشعبية في بغداد، التقين مؤخرا مع ضحية جديدة من المغرب العربي تم استقطابها من قبل أعضاء الشبكة ومساعدتها للعمل في صالون تجميل. جميعهن تم التغرير بهن في طبيعة عملهن، وتم حجز جوازات سفرهن وإجبارهن على ممارسة الدعارة.
زهراء واحدة من فتيات كثر دخلن لقفص الزوجية "الأبيض" ليتحولن إلى ضحايا، غير أن ضبط هذه الشبكات "اللاأخلاقية" التي وثقتها وحدة منع الاتجار بالبشر في الأمن العام، كانت كفيلة بزج عدد من الجناة في السجن وتحرير ضحايا من براثن تجار بشر بعد توجيه جملة من المخالفات القانونية المستندة إلى قانوني منع الاتجار بالبشر والعقوبات، بالإضافة إلى حجز تذاكر سفر لهن ليلتيقن بأسرهن في بلادهن، لعل الوقت يكفي ليمسح من عقولهن ذاكرة ممتلئة بالآلام النفسية والجسدية.
تعاملت الوحدة التابعة لإدارة البحث الجنائي بمديرية الأمن العام لغاية شهر آب (أغسطس) الماضي مع 11 قضية اتجار، أغلبها وقعت بحق عمالة وافدة بمختلف جنسياتها.
 وتعتبر جريمة الاتجار بالبشر ذات طابع "عبر وطني" (عابرة للدول) في حال "ارتكبت في أكثر من دولة، أو ارتكبت في دولة وتم التحضير أو الإعداد أو التخطيط لها أو الإشراف عليها في دولة أخرى، وامتدت آثارها إلى دولة أخرى، أو عن طريق جماعة إجرامية منظمة تمارس أنشطة إجرامية في أكثر من دولة"، حسب قانون الاتجار بالبشر رقم 9 لعام 2009.
يؤكد الخبير الحقوقي ومدير مركز بيت العمال حمادة أبو نجمة لـ"الغد" أن إحصائيات جرائم الاتجار بالبشر لا تعكس الأرقام الحقيقية، ويعزي ذلك إلى أن "القضاء في كثير من الحالات يتوجه إلى تكييف الحالات والأفعال المعروضة عليه بأوصاف قانونية أخرى وردت بشكل خاص في قانون العقوبات، كجرائم منفصلة عن جريمة الاتجار بالبشر، كونها أكثر وضوحا في تعريفها وعناصرها".
وجود ثغرات أظهرها التطبيق العملي لقانون منع الاتجار بالبشر في الأعوام الماضية؛ انعكس في غياب أحكام كان يفترض بأن يتطرق لها وفق متطلبات التزامات الأردن الدولية. حسبما أضاف أبو نجمة وسط مطالبات جادة بـ"إخراج القانون المعدل من أدراج الحكومة منذ عام".
يشار إلى أن تقرير الخارجية الأميركية حول الاتجار بالبشر العـام 2017 صنّف الأردن ضـمن مسـتوى 2 فـي مجـال الاتجـار بالبشـر، وهذا التصنيف يجعل الأردن كبلـد مقصـد وبلـد عبـور للبـالغين والأطفـال، الـذين يـتم إخضـاعهم للعمـل القسـري، وبحـد أقـل فـي مجـال الاســتغلال للتجارة الجنسية.
مافيات "الجنس" تهدد الضحايا
لم يكتف الجناة بتطوير أساليب تعذيبهم للضحايا جسديا، بل لجأوا إلى أساليب التعذيب النفسي، والتي وصلت حد احتجاز أولادهن في بلدانهن من قبل مندوب أعضاء شبكة الاتجار، في حال رفضت الضحايا الاستمرار بعملهن اليومي بـ"السخرة".
ومن ضحايا مافيات "الدعارة" العابرة للحدود والموثقة بملفات وحدة مكافحة الاتجار، العشرينية العراقية نجوى -اسم مستعار- التي روت بحرقة تفاصيل معاناتها، وتقول: إن صديقتها وفرت لها عملا في المملكة، وأنها ستتقاضى منه مبالغ مالية لقاء تعرفها على زبائن وممارسة الجنس معهم"، وتدّعي نجوى أن سبب قبولها بممارسة الجنس هو احتجاز ابنتها في بغداد من قبل شركاء صديقتها في شبكة الاتجار، والضغط عليها للسير بهذا الطريق، وفق محاضر رسمية.
ووسط غبار الحرب السورية جاءت قبل عدة سنوات ثلاث شابات مع أزواجهن إلى الأردن، لممارسة الجنس في شقق مفروشة وفنادق، مقابل مبالغ مالية يتقاسمها تجار الجنس والوسطاء من عرق أجسادهن، كانت شبكة "الدعارة" مجهزة لهن قبل وصولهن للحدود من قبل عدة وسطاء، منهم وسيطان أردنيان معروفان في عالم "الاتجار بالجنس"، ينشطان بعملهما في المناطق الشعبية.
حاولت القاصرتان نجوى وفيروز (اسمان مستعاران) العودة لسورية والتمرد على جلاديهما إلا أن "التهديد باالسلاح" كان لهما بالمرصاد، وأجبرن على العمل مقابل 30-50 دينارا للساعة الواحدة، أما إذا رغب الزبون بوقت أكبر، فأربع ساعات "مبيت" حيث يتقاضى التاجر 150 دينارا يوزع منها أيضا للوسطاء والأزواج.
وجد الوسطاء منفذا من تهمة الاتجار بالبشر، والإفلات من العقاب، رغم أن النيابة العامة أسندت لهم جملة من التهم، لكن المحكمة قررت تبرئتهم من "جناية الاتجار بالبشر" بالاستناد إلى أحكام المادة 236 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، لعدم "كفاية الأدلة حيث أن الأحكام الجزائية تبنى على الجزم واليقين وليس على الشك والتخمين".
رغم أن تفاصيل قضايا الاتجار بالبشر" شائكة "من حيث صعوبة إثباتها، بيد أن المادة (9) من قانون مكافحة الاتجار بالبشر تقول: "يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تزيد على عشر سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرين ألفا كل من ارتكب: الجريمة من خلال استغلال الدعارة أو اي شكل من اشكال الاستغلال الجنسي (...) إذا ارتكبت باستعمال السلاح أو التهديد، وفي حال أن مرتكب الجريمة زوج للمجني عليها، وإذا كانت الجريمة ذات (طابع وطني)".
فجوات بين التشريع والتطبيق
من خلال دراسة معمّقة لملفات القضايا الخاصة بالاتجار بالبشر؛ من نزع الأعضاء والعمل الجبري والاستغلال الجنسي التي حصلت "الغد" على نسخ منها، تكشف عن وسائل مختلفة يستقطب تجار البشر ضحاياهم المحتملين عبرها، لكن إثباتها يتطلب وقتا من الأجهزة الأمنية، التي تعمل تحت مظلة عدة قوانين ذات اختصاص، بحسب ما أكد مدير وحدة مكافحة الاتجار بالبشر السابق المقدم حيدر الشبول لـ"الغد"، كما أن المعلومات الرسمية من دول عربية أو أجنبية تسير بقنوات رسمية تتطلب وقتا وجهدا لإثباتها، بحسبه.
وتتفق الوحدة مع ما كشفه تقرير أصدره مركز "تمكين" قبل عامين بعنوان "مكافحة الاتجار بالبشر... فجوات بين التشريع والتطبيق"، والذي جاء فيه أن أغلب الفتيات العربيات يهربن إلى عالم "الجنس" بسبب أوضاع بلادهن الاقتصادية المزرية، فيقعن بيد عصابات الرقيق الأبيض أو في فخ تنصبه لهن صديقاتهن اللواتي سبقنهن إلى هذا العمل، ويردن الانتقام لأنفسهن من خلال توريط المزيد فيه، ما دفع وحدة الاتجار بالبشر للتعاون مع عدد من منظمات المجتمع المدني الخاصة بالمساءلة القانونية، لنشر التوعية بحقوق الضحايا وآلية التبليغ عن أي انتهاكات بحقهم بسرية تامة.
ويقول الشبول لـ"الغد"، إن أغلب ضحايا الاستغلال الجنسي هن "من جنسيات غير أردنية"، وهن "لديهن خلفية ثقافية في بلدانهن تقضي بعدم التبليغ عن معاناتهن"، عازيا السبب وراء ذلك الى أن "الصورة الذهنية السلبية عن السلك الأمني في بلدانهن يمنعهن من التوجه للأمن والشكوى".
ومن أساليب التضليل التي تتعرض لها الضحايا، استخدام إعلانات كاذبة عن مهـن معينـة كعاملة منزل أو تمريض أو نادلة وغيرها، إلا أنهن بعـد وصـولهن للأردن يتعرضن للخداع والاستغلال والعمل في مجال الجنس، حسب ما تقول مديرة مركز "تمكين" لندا كلش لــ"الغد".
وتنوه كلش إلى أن اهتمام المجتمع المحلي بقضايا الاستغلال الجنسي في الأردن "شبه معدوم"، رغم أهمية هذه القضايا، ورأت أن السبب هو "صعوبة الوصول إلى الضحايا، كون قضيتهن مرتبطة بأبعاد أخلاقية، منها أسرية تتمتع بسرية وخصوصية، فضلا عن قصور في جلب الوثائق والثبوتات لتحريك القضية".
تقرير وزارة الخارجية الأميركية السنوي حول الاتجار بالبشر للعام 2018 انتقد عدم إقرار مشروع معدل لقانون الاتجار بالبشر، وعدم اتخاذ تدابير متعلقة برعاية الضحايا وتوفير الحماية لهم، بما في ذلك ضحايا "الاسترقاق المنزلي، الذين يتعرضون للتوقيف والسجن والترحيل، وتداعيات الهروب من أرباب العمل المسيئين".
ودعا التقرير إلى تضمين القانون عقوبات مناسبة على جرائم "الاتجار بالجنس" وعلى الجرائم الخطيرة، التي قد تقع بسبب الاتجار بالبشر بشكل مباشر، كالهجرة أو الدعارة والانتهاكات الأخرى أو الهروب من صاحب العمل المسيء، فيما أوصى التقرير برفع مستوى التدريب للعاملين بقطاع مكافحة الاتجار بالبشر من مسؤولي ومفتشي عمل ومسؤولي سجون، لضمان إنفاذ القانون مسبقا.
تحرير الضحايا من العبودية
يعيد الخبير الأممي الدكتور هاني جهشان وجود شبكات إجرامية تمتهن الاتجار بالفتيات لتغاضي وتجاهل الدولة عن تلك الشبكات وعجزها عن المواجهة، إضافة الى شيوع الفساد بين المسؤولين بما في ذلك العاملون في القطاع السياحي وضعف المراقبة الإدارية للأوراق الثبوتية للمهاجرين، "كل ذلك

30 فتاة من جنسيات مختلفة منذ مطلع العام الماضي وحتى نهاية حزيران (يونيو) العام الحالي، ممن يشتبه بتعرضهن لانتهاكات أو شبهة اتجار بالبشر بمراكز الإصلاح، من قبل وحدة مكافحة الاتجار، فيما كشف عن تأمين (193) تذكرة سفر لضحايا الاتجار بهذه الفترة.
يرى مساعد الأمين العام السابق لوزارة التنمية الاجتماعية والناشط الحقوقي عبدالله سميرات أن العوز الشديد يجعل الفرد يقبل بأي عمل شاق، نظرا لحاجته ولقلة فرص العمل المتاحة، "لكنه ليس الدافع للاستغلال الجنسي"، موضحا أن "المسألة مرتبطة بعدة أمور منها عقائدية ودينية وتربوية واجتماعية".
ويتابع أن التعاون ما بين مؤسسات الدولة الرسمية والمدنية له أثر إيجابي بمكافحة هذه الظاهرة وبخاصة عندما تقوم الدول الأطراف بتعزيز التعاون الدولي لمساعدة الضحايا على التعافي البدني والنفسي، وإعادة إدماجهم في المجتمع وإعادتهم إلى أوطانهم.
بحسب مستشار التوعية الأسرية، أستاذ الدراسات الإسلامية د. منذر زيتونه، فإن حرص الفتيات والنساء من دول عربية على الخروج من بلادهن وتعلقهن بعلاقات مع رجال من مختلف أنحاء العالم صار بمستوى الظاهرة، ويحتاج إلى دراسة حقيقية من تلك الدول، متسائلا: "ما الذي يدفع الفتاة أو المرأة لمفارقة أهلها وبلدها وناسها لتغامر مع شخص غريب في بلد آخر؟!".
ويوضح أن بعض الرجال يعرف تماما رغبات الفتيات بمغادرة بلادهن، فيظهرون بمظهر المنقذ المحب للفتيات، فيتوج على شكل وعد بالزواج، لكنه في الحقيقة "متعة حرام تتطور إلى استغلال جنسي مرفوض دينيا وقانونيا وإنسانيا، كون الزواج في حقيقته مبنيا على علاقة دائمة لا يجوز شرعاً أن تكون مؤقتة".

التعليق