علاء الدين أبو زينة

في الملاعب.. وغير الملاعب..!

تم نشره في الأحد 30 أيلول / سبتمبر 2018. 12:07 صباحاً

يوجد في العالم الآن حقل أكاديمي رصين، متخصص في دراسة سلوك معجبي كرة القدم. ويذهب الباحثون في هذا الحقل إلى مختلف أماكن وملاعب العالم لدراسة سلوك هذه الجماهير. وبغض النظر عن وجهات النظر التي تستخف بهذا الجمهور وتقلل من شأن دوافعه وعواطفه وانشغالاته، فإن هذا الجمهور موجود في العالم العربي وكل العالم، وليس من الحكمة إغفاله. وفي الحقيقة، تعكس ثقافة جمهور كرة القدم ثقافة المجتمع الأوسع، ويؤثر سلوك هذا الجمهور وفلسفته –ويتأثر- بالمجتمع الذي هو جزء منه.
في "كلاسيكو الأردن"، المباراة المهمة بين قطبي كرة القدم الأردنية، الوحدات والفيصلي، التي أقيمت الجمعة، تكررت حوادث شغب الملاعب التي أصبحت مألوفة لدينا. وفي الحقيقة، لا ينفصل السلوك المشين لبعض مرتادي الملاعب عن السلوك المؤذي في "فاردات" الأعراس ومخالفة قواعد السير والعنف في الجامعات والمشاجرات وغير ذلك. ولم تعد هذه حوادث معزولة ومتباعدة في البلد، وإنما نمط يعكس صورة بالغة السوء عن مجتمعنا وتسيء إلى كل فرد منا.
في بلاد الناس المتحضرين، تشكل مشاهدة كرة القدم في الملاعب نشاطاً ترويحياً وكسراً للرتابة. ويذهب الناس هناك إلى الملعب مع الأصدقاء أو العائلة، بما فيها أطفاله. وبالإضافة إلى اللوجستيات التي تسهل الانتقال بالسيارة الخاصة أو المواصلات، يكون الملعب ومكوناته ومحيطه أشبه بمتنزه. وقد يكمل الناس طقس التشجيع في الملعب بارتياد مطعم أو مقهى. وفي داخل الملعب، لا يلزم أن يتواجد جيش من الشرطة ومكافحة الشغب الذين يعملون في ظروف الطوارئ، وإنما بعض من أفراد أمن الملعب المدنيين أو شبه المدنيين، للتعامل مع نزول مشجع متحمس إلى الملعب لمعانقة لاعبه المفضل مثلاً.
بطبيعة الحال، تحدث بعض حوادث شغب الملاعب في العالَم المتقدم، لكنها تظل حالات معزولة، والتي يُعاقب عنها النادي صاحب الجمهور بطريقة ما. لكن الغالب هو أن يجتمع في الملعب ما يصل إلى 90 أو 100 ألف مشجع منضبط، والذين يُخلون الملعب خلال دقائق بلا تدافع ولا اشتباك. ولا شك في أن هؤلاء لا يخرجون لتحطيم سيارات الآخرين أو السيارات العابرة إذا خسر فريقهم المباراة، ولا يكونون قد خربوا المقاعد التي جلسوا عليها أو جعلوا المدرجات مكباً للنفايات. وقد قدم مشجعو اليابان مثالاً احتذت به بقية جماهير الكرة في كأس العالم الأخير في روسيا، حين قاموا قبل المغادرة بتنظيف المدرجات حيث كانوا يجلسون.
بطبيعة الحال، ليس الحماس السلبي لجماهير كرة القدم سمة محلية أو عربية فقط، وإنما يشترك فيها جمهور الكرة في إفريقيا وأميركا اللاتينية. لكن هذا لا ينبغي أن يعزّينا ونحن الذين نعرض نفسنا كشعب متحضر في بلد ساعٍ إلى التحضُّر. وإذا أخذنا كل حوادث شغب الملاعب، وإطلاق النار في المناسبات، وفوضى السير، والمشاجرات في الجامعات، وما أصبحنا نراه في عشرات الفيديوهات عن الاعتداءات على الأفراد والمحلات، وما نسمعه عن العصابات والخاوات والجرائم والسرقات، وتخريب أماكن التنزه العامة وقطع الأشجار وتحويل الحدائق إلى مزابل، فإن علينا أن نتوقف ونعيد بجدية تعريف أنفسنا –تحضُّراً أو عدمه- وسرد الأسباب صراحة والتعامل معها بجديّة. وهذه بالتأكيد مسؤولية واضعي السياسات قبل الأفراد، وهي المقياس الحقيقي والصالح لقياس نجاح البلد أو فشله، وملامح الطريق الذي يسير فيه وإلى أينَ يمكن أن ينتهي.
مِن غير المعقول أن يتحسب المرء من الذهاب إلى عُرس خشية الإصابة برصاصة طائشة، أو التعرض للضرب خلال موكب العرس. ومن غير المعقول أن يكون ارتياد ملعب كرة –أو حتى مجرد المرور بجوار الملعب بعد المباراة- مغامرة غير محمودة العواقب. ومن الجنون أن يصبح التنقل في الشوارع، مع هذه الكثرة من المتهورين والفالتين من أي ضوابط، تجربةً متوترة يومية مليئةً بالتحسب والحذر. وتكشف هذه المظاهر بهذه الكثرة عن عدوانية خطيرة تتفشّى باطراد في النفسية الاجتماعية.
ملعب كرة القدم هو صورة لبقية الفضاءات التي تصنع الملعب الكبير. وإذا كنتَ لا تستطيع أن تذهب أو تصحب زوجتك وأولادك إلى ملعب كرة قدم في البلد، فهذا يقول الكثير عن الفضاء العام المشترك. وتكفي مطالعة الأخبار المحلية اليومية التي يندر أن تخلو من هكذا حوادث لتقدير جدية المخاطر. فهل ثمة من يسمَع أجراس الإنذار؟

التعليق