حنان كامل الشيخ

الأصل

تم نشره في الاثنين 1 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

في روايته الجديدة، يفتح دان براون أبواب الخيال على مصراعيها نحو زاوية واحدة في مشهد يبدو مظلما في المستقبل، حين يقرر على لسان بطل القصة بأن البشرية بمعانيها الفسيولوجية والإنسانية والفلسفية، سوف تنتهي قريبا.
معروف عن الكاتب الأميركي إثارته لقضايا دينية وفكرية عميقة، ومحاولاته الدؤوبة للنيل من الأفكار التي لا يقيمها كخالدة بقدر ما يعتبرها جامدة صنائمية. وكان ذلك وما يزال مصدر صداع شديدا له من طرف المتدينين في العالم. لكنه وفي كل مرة كان يزيح دفة القيادة نحو مسارب علمية وبحثية مثبتة، ولو كانت مجرد حبر على ورق، ليطيح بخصوم الخيال العلمي والإثارة الفلسفية.
قد حاول دان براون الإجابة عبر روايته التي تقع في أربعمائة وستين صفحة تقريبا عن السؤالين الأكثر خطورة وإثارة للجدل منذ بدء البشرية، وذلك على لسان أحد أبطال القصة العالم الشاب "إدموند كيرش"؛ من أين أتينا؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟
سيكون الجديد في هذه الرواية هو التطرق لـ"مؤتمر أديان العالم"، وعلاقتهم بكل صغيرة وكبيرة تدور وتحدث وتنشأ في هذا الكون، حسب خيال الكاتب، وسيشكل أعضاء مؤتمر أديان العالم المحور الثاني من محاور هذه الرواية، والتي تكوّنت بشكل رئيسي من حوالي ثلاثة أو أربعة محاور يتم التنقل بينهما بعناية رائعة وحبكة مشوّقة.
أما بالنسبة للتقليدي المتجدد دائما، فإن داون براون لم يتخل أيضا هذه المرة عن بطله المفضل الدكتور "روبرت لانغدون"، ولا عن التوقيع المثالي لقصصه "جميع الأعمال الفنية والمعمارية، والمواقع، والحقائق العلمية، والمنظمات الدينية المذكورة في هذه الرواية حقيقية".
وهذا الأخير من المؤكد هو سر اعتلاء روايات براون المراكز الأولى للروايات الأكثر مبيعا، منذ سنوات طويلة.
فالقارئ يحترم من يبذل جهدا على أعماله الروائية، ولا يكتفي بأسلوبه الأدبي وخياله الواسع، حتى يتمكن من أسره مطولا خلال القراءة، بل ويجعله شغوفا بمتابعة جديده القادم. فعالم التواصل الاجتماعي في الحقيقة لم يترك حيزا كبيرا للشعراء والأدباء الرومانسيين، بعد أن امتلأت الجدران والصفحات بمواهب كتابة الفقرات المتفرقة، وأبيات الشعر الأحادية وأوصاف الصور المجتزأة.
وكلها تلاقي الإعجاب والتقدير والانتشار، لأنها توفر على المتلقين جهد التفكير والخيال. هذا الأمر هو الذي يرفع أسهم الكتاب الباحثين، إن صحت التسمية، لأنهم باختصار يقومون بصناعة قوالب أدبية مشوقة مبنية على أسس علمية وفلسفية وبحثية، لا يتنسى لأي كان أن يغوص فيها إلا إذا كان مقبلا على تأليف كتاب عميق.
أكثر ما لفت انتباهي شخصيا للقصة، التي أتوقع أنها سوف تظهر قريبا على شاشات السينما، فكرة مخيفة جدا، تقول إن عقود الزمن ما بين الاختراعات والمنجزات الإنسانية العلمية تتقلص بشكل متواتر، من مرورها عبر آلاف السنوات ما بين اختراع النار والقطار البخاري، إلى اللاشيء من الزمن والمتوقع حدوثه خلال سنوات قليلة مقبلة. هذا الأمر يعني ببساطة، وحسب تعبير الكاتب، بأن المسافة ما بين القديم والحديث ستصل إلى الزمن صفر، وبهذا لن يكون هناك مصطلح اسمه "قديم" يطلق على أي شيء!
لربما كان هذا سبب اقتباس مقولة للكاتب الأميركي "جوزيف كامبل" ليستهل بها روايته التي تقول "يجب أن تكون لدينا الرغبة في التخلي عن الحياة التي خططنا لها؛ لكي ننال الحياة التي تنتظرنا".
هذه دعوة لقراءة الرواية لمن يتنسى له ذلك، ضمن صراعات الأيام المتشابهة، ومعتقلات العقل والوجدان الإلكترونية، وحوارات لا تفضي إلى شيء إلا زيادة هوة الخلاف بين البشر، وتنامي خطابات الكراهية بين أضداد ربما ليسوا أضدادا بالفعل، لو عادوا جميعا إلى "الأصل"، وتحسسوا كارثة محققة تنتظرهم عما قريب، بعد أن يتوحدوا هم وأجهزتهم الذكية في كيانات سيامية، لن تتفكك بعد ذلك، لتقضي على آخر معاقل الإنسانية وتحول البشر إلى وحوش!

التعليق