تسونامي التعليم

تم نشره في الثلاثاء 2 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

ماسة الدلقموني

هجرة قسرية لعملية التعليم لمواكبة فقدان حرف الياء من بين حروفها. وليت أبو الحروف من برنامج المناهل هنا اليوم لحل هذه المعضلة، فالفجوة التي أحدثها خربوط هذه المرة لا يمكن حلها بإعادة هذا الحرف لمكانه.
أعمل في التعليم منذ قرابة الثماني عشرة سنة، لم أشهد خلالها تغييراً جذرياً لهذه المنصة العظيمة كالذي أشهده اليوم حيث يعيش قطاع التعليم كغيره من القطاعات ما يطلق عليه " تسونامي التقدم التكنولوجي"، هذا المصطلح الذي تم ذكره لأول مرة في منتدى دافوس العالمي تحت عنوان " الثورة الصناعية الرابعة" ليطلق صافرات الإنذار على جميع المستويات لأخذ الاحتياطات اللازمة للتأقلم مع  هذا التسونامي  الذي لم يسبق للتاريخ أن شهد مثله ليس فقط بسبب سرعته بل أيضا بسبب نطاق تأثيره الشاسع غير المسبوق على مستويات البطالة والأسواق الناشئة والأعمال التجارية والحكومات والأشخاص وعلى مختلف قطاعات الدولة محدثاً تغييرات جذرية يصفها كلاوس في كتابه "الثورة الصناعية الرابعة" بالتخريبية، مجبرة الحكومات على إعادة النظر بالطرق التي تسيِّر بها أعمالها، فارضة عليها اعتناق سياسة إعادة هيكلة اقتصادية واجتماعية وسياسية شاملة.
جاءت ثورة تكنولوجيا المعلومات لتقلب المعادلة وتسلط الضوء على الطالب بدلاً من المعلم، على النتاجات بدلا من المناهج، على المهارات بدلا من المعلومات، على التفاعلات بدلا من المحاضرات، على الربط بدلاً من الحفظ، على التحليل بدلا من التسليم، محدثة بذلك إعادة لتسميات كل من الطالب والمعلم والمدرسة لتصبح متعلما وميسرا ومساحة تعلميَّة تاركة فراغاً مليئا بشحنات من الشد العكسي والدفع الأمامي على مستوى السياسات، صانعي القرارات، المدراء، الأهل، المعلمين والطلاب. وَيَا لهذا الفراغ، لو تعمقنا به جيدا لوجدنا فرصة عظيمة لإحداث التغيير المراد منذ عقود إذا ما تجاوزنا المناوشات التي لا تُحدث  إلا صدى مزعجا، ووجهنا الجهود المختلفة بالوزارة إلى وجهة واحدة تهدف لرفع مستوى التفاعلات داخل الغرف الصفية للارتقاء بأساليب التعلم التي تحاكي هذا الجيل. نعم فرصة هي إذا ما تجاوزنا اختلاف آرائنا حول عملية التطبيق فكل يوم وكل ساعة وكل ثانية مأخوذة مِن عمر طلابنا ومستقبل بلادنا. التغيير صعب لكنه اليوم إجباري، فلا خيار لنا به.
يعيش طلابنا اليوم في عالم يتم فيه رفع آلاف الصفحات وتحميل ما يزيد عن ٣٠٠ ساعة من الفيديوهات كل دقيقة، ومشاهدة أكثر من ٥ بلايين فيديو يوميا، عالم ينهي به الطلاب سنوات الدراسة مع ما يتعدى ١٠٠٠ صديق على شبكات التواصل الاجتماعي حيث يتواصلون- رغم مئات و ألوف الكيلومترات التي تفصل بينهم- كأنهم في غرفة واحدة، يستهلكون وينتجون ويتبادلون المعلومات بطرق ممتعة وسرعة لا يتخيلها العقل. فها هم يواكبون تكنولوجيا التعليم ونحن لا نزال ندرِّس بأسلوب عقيم، هم يتواصلون عبر القارات ونحن نجتمع كل يوم بلا قرارات، هم يتعلمون في عالم افتراضي ونحن لا نزال نناقش تطوير المناهج بأسلوب -مع احترامي لكل الجهود-اعتباطي.
نعيش اليوم في عصر لا بد حتى للمعجم فيه أن يعيد تعريف بعض مصطلحاته، فأُميُّ هذا العصر ليس هو من لا يعرف أن يقرأ أو يكتب فقط بل هو من لا يستطيع أن يتعلم وأن يلغي ما تعلم عند الحاجة ليعود ويتعلم من جديد. ووزارة التربية والتعليم ليست هي اليوم نفس الوزارة التي تعرَّف في معجم المعاني الجامع على أنها الوزارة المسؤولة عن تلقين أبناء الشعب المعارف ومبادئ العلوم بل هي الوزارة المسؤولة عن تأمين مساحة وأساليب تساعد أبناء الشعب على إتقان عملية التعلم المستمر. نعم، للقراءة والكتابة والحساب أهمية كبيرة ولكن في عصر التطور السريع فإن المهارة الأهم هي أن نعلم الأجيال القادمة كيف يتعلمون، وبدون مهارات البحث السليمة والربط والاستيعاب والتحليل سننشئ جيلا لن يقدم لبلاده ولا للبشرية إلا القليل.

التعليق