الإصلاح والتغيير الاجتماعي عند الماوردي

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

يعتبر الماوردي أحد أكبر فلاسفة السياسة الشرعية ومن أعظم فقهاء الاصلاح الاجتماعي في الحضارة الإسلامية، وقد خلّف لنا ثروة علمية هائلة في المجالات المعرفية المختلفة.
ويعتبر كتابه "أدب الدين والدنيا" من أجود ما  كتب في الأخلاق الفاضلة والاجتماع الإنساني وأفضل ما سطر في سياسة الأمم  وإدارة الدول، حيث تناول فيه وبعبقرية فذة الكثير من الأراء والنظريات الاجتماعية التي تؤدي إلى صلاح الحياة وجودتها، وقد سبق بهذه الأراء نظريات ابن خلدون وطروحاته في السياسة والاجتماع.
ولن نستطيع في هذه المقالة الموجزة أن نعطي الكتاب حقه وأن نتناول أراء الماوردي الاجتماعية والإصلاحية كلها، ولكننا سنستعرض نظريته في الاصلاح الحضاري وكيفية بناء الدولة، فهو يرى أن صلاح الدنيا وحسن بنائها يقوم على قواعد ست هي:
القاعدة الأولى الدين المتبع؛ لأن الدين هو الذي يهذب النفوس وينقح الضمائر ويقوم السلوك ويمنع الإنسان من الظلم ويحجزه عن الاعتداء على حقوق الآخرين وتضييع مصالحهم؛ فالدين في نظره  هو" أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها, وأجدى الأمور نفعاً في انتظامها وسلامتها".
القاعدة الثانية السلطان القاهر الذي يحفظ الدولة ويحمي حدودها ويتولى إدارة شؤونها وتسيير مصالحها، ويسهر على تطبيق القانون وحراسته وعدالة تنفيذه، ويسعى لنشر العدل وقمع الظلم والاجتهاد في خدمة الدولة ومواطنيها.
القاعدة الثالثة العدل الشامل الذي تتكافأ فيه الفرص وتتعادل معه الحقوق، فيأخذ كل ذي حق حقه، فالكل أمام القانون سواء، بلا فرق ولا تمييز، فبالعدل تتحقق الألفة بين الناس وتتفجر طاقاتهم وتنمو مواهبهم ويتعاظم إبداعهم، فتعمر البلاد ويزداد الانتاج.
ولما كان الظلم والجور نقيض العدل فإن الماوردي يرى أنه ليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الظلم والجور، فالظلم يقتل الانتماء ويئد الإبداع ويدمر الطاقات ويهدر المواهب ويبدد الطاقات، فتتخلف معه الأمم وتزول الحضارات.
القاعدة الرابعة الأمن العام، الذي تطمئن إليه النفوس وتنتشر فيه الهمم, ويسكن إليه البريء, ويأنس به الضعيف.
فالخوف يعطل طاقات البشر ويشل حركتهم ويدمر اقتصادهم فترتفع معه الحرمات وتسود الفوضى، وقد عبر عن ذلك الماوردي أبلغ تعبير حيث يقول: فليس لخائف راحة, ولا لحاذر طمأنينة، وقد قال بعض الحكماء: الأمن أهنأ عيش, والعدل أقوى جيش; لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم, ويحجزهم عن تصرفهم, ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قوام أودهم وانتظام جملتهم; لأن الأمن من نتائج العدل, والجور من نتائج ما ليس بعدل .
القاعدة السادسة خصب الدار، والمقصود به الاقتصاد القوي الذي يحقق الاكتفاء الذاتي ويحافظ على الأمن الغذائي؛ وهو من أقوى الدواعي لصلاح الدنيا وانتظام أحوالها؛ لأنه من المعلوم واقعاً أن استقلال الأمة اقتصادياً واعتمادها على ذاتها هو الذي يحقق لها استقلالها السياسي وتفردها الذاتي، فمن لا يملك طعامه ودواءه لا يملك إرادته ولا يتحكم في قراره، ولا بد أن يكون تابعاً لغيره محكوماً له مسَيراً بإرادته.
إن القوة الاقتصادية للمجتمع تؤدي إلى تحقيق المواساة بين أفراده وتزيد من فرص التكافل والتضامن الاجتماعي بينهم، وتساهم في انتشار الأخلاق النبيلة من الكرم والسماحة والأمانة وغيرها، وتعمل على رفع منسوب رفاهية أفراده وتحسين جودة حياتهم، فتقل الأمراض النفسية والعقد الاجتماعية التي تولدها القلة والفاقة والعوز كالبخل والحسد وغيرها.
القاعدة السادسة الأمل الفسيح الذي هو قاعدة الحياة وعنوان عمارتها؛ فالأمل هو الذي يدفع الناس للعمل ويحفزهم للجد والاجتهاد ويحدوهم للبناء والتشييد، ولولاه لما بنى إنسان لبنة ولا تحرك خطوة، فهو الحافز الروحي والدافع النفسي الذي يجعله يكافح اليأس ويعاند الاحباط ويغالب الصعاب، فليس هناك معيق لحركة الإنسان ونشاطه كاليأس والإحباط وقصر الأمل.
فالأمل هو الطاقة الروحية والوجدانية التي لا يمكن للفكر والبدن العمل في حال فقدانها وغيابها، وقد تنبه العلماء في هذا الزمان إلى أهمية هذه الطاقة ودورها في رفع همة الإنسان وتحصينه في مواجهة الإعاقة والفشل، فألفوا فيه الكتب وعقدوا له الندوات وأقاموا له الدورات، وإن إدارك الماوري لهذا الأمر وإبراز دوره وأثره البالغ في الاصلاح العام والتغيير الاجتماعي، يدلك على عميق نظره ودقة تحليله وبصيرته النافذة وقدرته الفائقة على تشخيص المشكلات وتقديم الحلول الابتكارية لها.
إن هذه القواعد لا تعمل بشكل منعزل ومستقل عن بعضها البعض، وعلاقتها ببعضها علاقة تبادلية تكاملية، فالكل يؤثر ويأثر بالكل، فلا أمل بلا اقتصاد ولا اقتصاد بلا أمن ولا أمن بلا عدل ولا عدل بلا سلطان، ولا شيء من ذلك كله إلا بالدين المطاع الذي يجعل للحياة هدفاً سامياً، ويجعل من الإنسان عنصراً إيجابيا وأداة فعالة في عمارة هذا الكون والمحافظة عليه.

التعليق