قصة الردة في العراق!

تم نشره في الخميس 4 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

غيث هاني القضاة

يروي الدكتور طه العلواني في كتابه القيم بعنوان "لا إكراه في الدين" قصة تتعلق باستخدام سُلطة السياسة لسيف الدين كما هو الحال دائما، حيث قرر حزب البعث العراقي وبجرة قلم  في العام 1963 إعدام أعضاء الحزب الشيوعي العراقي كله بحجة أنهم من "المرتدين" !وكان عددهم ثمانية آلاف شخص تقريبا،  وجمعوا لذلك ثلاث فتاوى دينية وافقت على الأمر قبل تنفيذه: فتوى إمامين من الشيعة وفتوى إمام وفقيه سُني، وتم إرسال الأمر إلى ضابط عراقي كبير سُني لتنفيذ حكم الإعدام دفعة واحدة، ولحسن الحظ كان ذلك الضابط يُصلي الجمعة خلف إمام سُني شاب حديث التخرج من كلية الشريعة وهو مؤلف الكتاب أعلاه،  فأراد ذلك الضابط أن يستفتي هذا الشاب الذي كان مُعجبا بفكره وبخطبه، فجاءه خلسة الساعة الثانية في منتصف الليل وقبل تنفيذ الحكم بخمس ساعات ليسمع رأيه ليستنير به شخصيا!
شرح له ذلك الشاب أن حزب البعث هو حزب ماركسي في إطار عربي لا يختلف عن الحزب الشيوعي، ولا يوجد في العراق حكم إسلامي بالمعنى التاريخي فلماذا يُزج الإسلام في صراع سياسي لا ناقة له فيها ولا جَمل ؟وحاول الشاب إقناعه بأن لا يلوث يديه بدمائهم فهم ليسوا مرتدين وليسوا كفرة،  فقرر ذلك الضابط الاعتذار عن المهمة وذهب إلى الرئيس العراقي حينها "عبد السلام عارف" ليعتذر له بعد أن استحلفه الشيخ الشاب بعدم ذكر اسمه أمام الرئيس، الذي كان قد أصدر أوامره بإعدامهم جميعا في الساعة السابعة صباحا ودفعة واحدة خشية تسرب الخبر إلى روسيا لكي لا يضغط عليهم العالم الاشتراكي حينها! وعند اعتذار ذلك الضابط حاولوا إقناعه بشتى السبل والوسائل لكنه رفض وأصر على موقفه فتأجل الإعدام!
نشر ميشيل عفلق مقالة بعد أسابيع  في جميع صحف بغداد وأُذيعت عدة مرات بالمذياع والتلفاز دعا فيها الحزب الشيوعي إلى الانضمام في جبهة مع حزب البعث، وقال لهم إن رفاقكم البعثيين قد استطاعوا حمايتكم من إبادة جماعية كاد يقوم بها بعض الظلاميين من رجال الجيش والإسلاميين قبل فترة ! وقد آن الأوان أن تعرفوا مصلحتكم وتكونوا مع حزب البعث لا ضده!
تأكدت وجهة نظر ذلك الشيخ الشاب بوجود مؤامرة تستهدف إقحام الإسلام على يد ذلك الضابط السني -والذي كان والده من العلماء القُضاة  ولأسرته تاريخ ديني معروف في العراق -حيث أكد له أثناء النقاش معه بأن المسألة  إذا كانت تتعلق "بالردة "فردة البعثيين لا تقل عن ردة الشيوعيين ولا تختلف،  وأخبره أيضا بأنه إذا كان هدفهم وخطتهم إبادة الشيوعيين "المرتدين" فسوف يستبدلونك، ولديهم الكثير من القتلة المحترفين، وسينفذون تلك الجريمة عن طريق ضابط آخر، ولكنهم إذا صرفوا النظر بعد اعتذارك فذلك يعني أن فرضيتي صحيحة تماما وهذا ما كان بالفعل، حيث تم إلغاء حكم الإعدام!
يناقش الكتاب بعمق وبمنهجية أكاديمية واضحة موضوع "الردة الفردية" بمعنى تغيير الإنسان لعقيدته وما بني عليها من فكر وتصور وسلوك، ولم يُقرن فعله هذا بالخروج على الدولة أو قيادتها الشرعية، ولم يقطع الطريق، ولم يرفع السلاح في وجه أحد، ولم يقم بخيانة الجماعة فأصبح مرتدا كافرا بدين الإسلام،  فهل لمثل هذا شرع الله حدا وهو حد القتل؟ لمجرد تغيير اعتقاده! وهل على الدولة أن تُكره هذا على الرجوع الى الإسلام ؟وهل القول بوجوب قتل المرتد أمر مُجمع عليه شرعا خصوصا إذا عرفنا أن بعضا من كبار الصحابة قد أنكروا ذلك! وأكد الكاتب في  نهاية كتابه وباسلوب علمي رصين على نفي وجود حد شرعي منصوص عليه لجريمة تغيُر المعتقد الديني من غير إنضمام لأي فعل جرمي آخر.
وضع المؤلف رحمه الله هذا الكتاب كما يقول "دفاعا عن الإنسان وحريته في التعبير والاعتقاد، ودفاعا عن شريعة طالما ظلمها أهلها ونسبوا اليها ما ليس منها، ليعلم الناس ان شريعة الله نقية طاهرة شريعة أحرار لا عبيد، وعلماء وشريعة بشر لا قطيع، وشريعة رفع للإصر والاغلال".

التعليق