د.أحمد جميل عزم

"شمس الأغاني"

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:07 صباحاً

سألَت المُدرسة الطلاب الأجانب الآتين لتعلم اللغة الانجليزية، في جامعة غلاسكو الاسكتلندية، والجالسين في مبنى صغير، قرب مبنى آدم سميث، الذي درّس في الجامعة، وكان رائد الفكر اللبرالي الاقتصادي، في القرن الثامن عشر، وقرب المكتبة المكونة من اثني عشر طابقا، تحتوي نحو مليوني كتاب، وفيها طوابق للدراسة مع صمت مطبق، وأخرى لمن يريد الحديث أثناء دراسته. سألَتهُم أن يكتبوا، على سبيل التدريب، عن "قدوتهم" في الحياة.
فكّر الشاب الآتي من الأردن، بمفكرين قرأ لهم، في السياسة والمجتمع، وفكّر بسياسيين وشهداء، ثم قرر الكتابة عن عبدالحليم حافظ، وقرر أن عبدالحليم الأقرب للتعبير عن روحه، أو عن حلمه وعن الألق الذي يبحث عنه. ولا يعرف هذا الشاب عزف أي نغمة موسيقية، أو حتى تمييز النغمات، وقيامه بالغناء موضوع غير مطروح للتفكير، ولكنه كَتبَ أنّ عبدالحليم كان "ملك التفاصيل" يبحث بكل كلمة سيغنيها ويدرسها ويدرس مخارج حروفها، ويدرس أي طبقة صوت تحتاجها، وكان في بداياته في الإذاعة يستدين لأنّ الميزانية المدفوعة للفرقة الموسيقية لا تكفي لجلب عدد كاف من العازفين، فيأتي بمن يحتاج من الموسيقيين الآخرين على حسابه الخاص، وكان من أكثر الفنانين بحثا عن آلات موسيقية جديدة في العالم، فتجده أول من أدخل آلات حديثة تظهر في العالم، ويدخلها لأغنياته. ببساطة كان عبدالحليم عدا عن تحليقه بأغنياته بهذا الشاب في عالم من الإحساس والدهشة، والحب والشاعرية حينا، والحماسة القومية والوطنية أحيانا أخرى، مثالا يرجو أن يصبح مثله، في الإتقان والاجتهاد والدأب والإحاطة بكل شيء. ببساطة، كان يريد أن يكتُب بحثاً أكاديمياً فيه اتقان عبدالحليم، أو ألحان محمد الموجي الذي لّحنَ له من بين أغانٍ أخرى عمَليه الأضخم؛ رسالة من تحت الماء، وقارئة الفنجان. أو يكتب خواطر فيها مزيج ألحان بليغ حمدي التي تصعد في لحظة لقمة الحماسة، ثم تنزل في اللحظة التالية لمنتهى الشاعرية والهدوء.
عندما جُسدت، عام 1997، شخصية الفيلسوف ابن رشد، في فلم سينمائي، عن تحرر الفكر وتحجره، في قرطبة في القرن الثاني عشر ميلادي، كانت أبرز أغنيات الفيلم بعنوان "علّي صوتك"، وبغض النظر عن الدقة التاريخية لأحداث الفيلم، إلا أنّ كلمات الأغنية عكست معنى رمزيا مهما، وهو العلاقة بين الحرية والإنجاز والإبداع والغناء، فمن دون مجتمع فيه حرية، وثورة، وأمل، لا غناء، فكانت عبارة "لسا الأغاني ممكنة" التي كتبتها الشاعرة الناشئة حينها، كوثر مصطفى، تعبيرا عن حالة الانغلاق التي كانت بدأت تهيمن على العالم العربي، والأمل بغدٍ آتٍ. 
عندما ظهر نحو العام 2009/ 2010 ألبومان غنائيان جديدان، أحدهما للسوري سميح شقير، عنوانه قيثارتان، وكل قصائد الألبوم من كلمات محمود درويش، والثاني للبناني أحمد قعبور، وعنوانه، ليس بعيدا من كلمات أغنية فيلم المصير، فهو "بدّي غني للناس"، والحديث عن الرغبة بالغناء، تعكس أيضاً حالة الانغلاق في البيئة المحيطة بالغناء. مع ظهور الألبومين، أدركتُ حينها أننا مقبلون على شيء سياسي. فالاغنيات قد نراها، مثل حركة الحيوانات والزواحف، التي تنشط قبل حدوث الزلزال. وليس المقصود أن الأغنيات تحفز التغيير حقاً، ودائماً، ولكنها قد تستشعرها وتصاحبها، وبالفعل حدث بعد وقت قصير من الألبومين، الربيع العربي. وليس المقصود بالتأكيد أن لهذه الألبومات دورا، أو أن الربيع العربي سار كما يرام، ولكنها كما ذكر أعلاه، تعبر عن استشعار شيء، حتى لو كان عبر شعور غامض، ومحدود الانتشار.
الآن بعد قرابة عشر سنوات، أتنبه للتعثر الذي صاحب الألبومين، على جمالهما، فكلاهما واجه مشكلة في العثور على جزء من المكونات. شقير لم يجد الكلمات، فلجأ لدرويش بمناسبة وفاته، وأعاد إنتاج بعض أغنياته القديمة، واقتبسَ من أغنياته السابقة، ومن ألوان موسيقية عالمية. وقعبور، أعاد أيضا إنتاج بعض قديمه، وواجه مشكلة مالية في إطلاق الألبوم، وكانت أجمل أغاني الألبوم، والتي باتت من أجمل ما قدّم، أغنية "شمس الأغاني" وقد اشتهرت أثناء أدائه إياها في احتفالية، القدس عاصمة الثقافة. فكان جو الاحتفالية رافعة للأغنية، مثلما كانت الأغنية رافعة للاحتفالية. وعنوانها أيضا فيه توق لعودة الأغاني.
في الواقع قبل النهوض بالثقافة والفن يصعب رؤية التغيير للأفضل، وقبل تغير في الوضع السياسي والاجتماعي يصعب رؤية نهوض بالفن والثقافة.

التعليق