هوان المجتمعات

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

هل ما زال بعض النساء يتحدث عن المساواة.
خفت الصوتُ قليلاً!
فوضع الرجل العربي لم يعد مبهجاً، ومغرياً إلى ذلك الحدّ الذي يجعل المرأة تحسده عليه وتطالب بمساواتها به!
كما أن المعايير انقلبت في العقود الاخيرة ، والمطالب التقليدية انعكست إلى ضدها، ومثالا على ذلك أن المرأة في بعض المجتمعات كانت تطالب بكشف شعرها كحق لها، لكنها الآن في بعض آخر من المجتمعات تطالب بالحجاب كحق حُرمت منه!
وهكذا لم تعد فكرة الحقوق ماثلةً أمامنا بشكلها التقليدي، فالمرأة الآن سائقة تاكسي وقاضية وتقود طائرة وتدير وزارة خارجية وتترأس أمانة حزب.. كما "تتمتع" بحق خلع زوجها وهي صيغة من صيغ الطلاق دون اشتراط أن تكون صاحبة العِصمة!
حتى ان البعض يقول مستظرفاً أنه آن للرجل أن يطالب بالمساواة مع المرأة؛ فهي قد انتزعت كامل ما كان يُعدُّ امتيازات الرجل دون أن ينقص شيء من امتيازاتها الأصلية كامرأة مُدلّلة!
لكن ما تفتقده المرأة الآن هو ذاته ما يفتقدُهُ الرجل؛ وأقصد إنسانيتهما المنقوصة!
كلانا الآن جزء من مجتمع معطوب. ومن ثقافة مريضة. ومن أمّة في أوج انحطاطها.
لم يعد ثمة سلطة لأحد، أو حتى سلطة قيمية ما على أحد.
وهذا سبب مهم آخر، يجعل الرجل ليس محطّ غيرة أو حسد، من المرأة. فهو في النهاية ضعيف ومسالم.. ويقع عليه من التنكيل ما يقع عليها.
المجتمعات الضعيفة تتغوّل على بعضها، لكن ذلك يحدث بشكل غرائزي، وبدائي، ودون سلطات مكتسبة، ودون ان يكون أحد "قوّاماً" على أحد.
الرجل مهان اقتصادياً، ومهمّش، وغير قادر على وظائفه الأساسية كـ "معيل"، وهو حتى ما يضعف موقفه من نواح شتّى، ما يجعله بالتالي متساويا مع شريكته دون أن تضطر لإحداث جلبة أو ذلك الزعيق القديم عن المساواة!
كلاهما، المرأة والرجل، ضحية امتهان وتعسّف مجتمعي، ولا قدرة لدى أحدهما على مناكفة الآخر أو استفزازه، وكلاهما منتقص الحقوق ومسلوب الرفاهية!
من هو المجتمع؟
أقصد السلطة التي أودت بالرجل والمرأة كليهما الى هذه الحال. وجعلتهما ضحية بذات القدر.
هل هي الحالة الاقتصادية التي أضعفت كثيرا من سلطة "رب البيت" وجعلته مجرد شريك في عائلة ضعيفة تنتظر الإعانة أو تبحث عن الإشتراك في "جمعية" أو يلملم "عيديات" الزوجة والبنات بوعد أن يردّها حين تتحسّن الأحوال.
وهل فقدت الأسرة مصدرها القيمي والأخلاقي، و"رأس السلطة" في البيت، حين لم يعد الأخير قادراً على "الهيمنة الإقتصادية" وبالتالي تفكّكت قبضته تدريجياً؟
أم هي المنظومة الإجتماعية المتغيرة، بحيث لم تعد الأسرة وحدها تتحمل مسؤولية التربية والتنشئة، وصارت "مصادر الثقافة الجديدة"، كالتلفزيون الحديث ووسائل التواصل، شريكة في تربية الأولاد، ولها حصّة كبيرة في وضع "المنهاج" العائلي؟
ومهما حاولت الأسر المحافِظة إغلاق الشقوق التي تتسرب منها الثقافات الجديدة فإنّ الأبناء صاروا يتعرضون للتربية خارج البيت أكثر مما يحدث داخل أسوار الأسرة!
المحصّلة هنا أن الأب والأم، فقدا الكثير من سلطتهما، في البيت، كما فقدا أيضاً جزءا مهما من كاريزما المرأة والرجل في علاقتهما الشخصية، بحكم اهتزاز ثقلهما الإقتصادي والإجتماعي كل على حده.
هذه الحالة من الضعف والهوان، التي يمر بها الرجل والمرأة، الأم والأب، كسلطة عائلية، سببها الرئيس أنهما لم يعودا قادرين على إدارة المؤسسة بسبب التردّي الكبير في الحالة المادية.. ومن يفقد سلطة المال أو الإعالة أو القوامة بالمصطلح الديني، يسهل التطاول عليه، ويسهل تجاهله، وازدراء مسطرته القيمية!

التعليق