القصة التي لم تروَ لليهود المناهضين للصهيونية في إسرائيل

تم نشره في السبت 6 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً
  • مارتن بوبر والحاخام بنيامين، مؤسسا حركة "بريت شالوم" ثنائية القومية – (أرشيفية)
  • جنود إسرائيليون يعتقلون ناشطاً إسرائيلياً خلال مظاهرة في قرية النبي صالح الفلسطينية في الضفة الغربية – (أرشيفية)

جوشوا ليفر – (مجلة 972+) 8/8/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

على مدى مقاومة الفلسطينيين تشريدهم وإخراجهم من وطنهم تقريباً، انضمت إليهم مجموعات صغيرة من اليهود. ويعيد كتاب ران غرينشتاين، "الصهيونية وسخطها: قرن من المعارضة القوية في إسرائيل/ فلسطين" إلى الحياة قصة معقدة، متناقضة في أغلب الأحيان، عن أولئك الإسرائيليين الذين رأوا في التحرر الفلسطيني واليهودي شيئاً واحداً.

كان التضامن مع الفلسطينيين الذين يواجهون ممارسات الإخلاء، والطرد وهدم المنازل، حجر زاوية في نشاط اليسار الإسرائيلي الراديكالي على مدى العقد الماضي. وقد أثارت "اللجنة الإسرائيلية ضد هدم المنازل" الوعي الدولي بتشريد إسرائيل القسري والمستمر للفلسطينيين. ووقف ناشطو حركة "فوضويون ضد الجدار" في وجه جرافات الجيش الإسرائيلي. وجلبت حركة "الشيخ جراح" التضامنية آلاف الإسرائيليين إلى القدس الشرقية للمشاركة في الاحتجاجات الأسبوعية ضد عمليات الإخلاء والطرد. ويمكن العثور على ناشطين يساريين إسرائيليين ودوليين من مجموعات مختلفة إلى جانب الفلسطينيين الذين يواجهون الطرد القسري وهدم المنازل في النقب، ووادي الأردن، وتلال الخليل الجنوبية.
لكن لهذا النشاط التضامني تاريخ. فقد شكل تدمير قرى فلسطينية بأكملها وطرد الفلسطينيين من أراضيهم جزءاٍ من ممارسة الصهيونية قبل وقت طويل من تأسيس إسرائيل. وطالما كان الفلسطينيون يقاومون تشرديهم تقريباً، كانت مجموعات صغيرة من اليهود تنضم إليهم في كفاحهم.
مع ذلك، يؤدي إلحاح المطالب السياسية الحالية في كثير من الأحيان إلى دفن تاريخ الصراعات الماضية. ومن دون وعي تاريخي، يخاطر ناشطو اليوم بتكرار الأخطاء نفسها التي أرتكبها أسلافهم. ويعالج كتاب ران غرينشتاين هذا الفقدان، فيعرض ماضياً صالحاً للاستخدام وتعلم الدروس للناشطين والمفكرين الذين يناضلون من أجل السلام والعدالة في كل الأرض بين النهر والبحر.
في حين أن التاريخ الطويل للمقاومة ضد الصهيونية يظل الموضوع الرئيس لكتاب غرينشتاين "الصهيونية وسخطها"، فإن الكتاب ليس تأريخا للأحداث، وإنما هو تأريخ للفكر وهو يصبح قيد العمل –حكاية الجدالات الداخلية، والمواقف الأيديولوجية المتغيرة، والتطلعات السياسية، والإخفاقات والنجاحات لأربع حركات مختلفة من فترة ما قبل إنشاء إسرائيل وحتى اليوم الراهن. ويقدم غرينشتاين في كتابه تحليلاً حاذقاً لما كان في بعض الأحيان نزعات نظرية للمجموعات اليسارية والمناهضة للكولنيالية، بينما تحاول وضع صيغة لمقاومة الصهيونية خلال مختلف أطوار القرن العشرين المضطرب.
يبدأ غرينشتاين بحركة "بريت شالوم"، التي ربما كانت أشهر حركة يهودية تبنت فكرة ثنائية القومية خلال فترة الانتداب البريطاني، والتي ضمت مارتن بوبر، وغيرشوم شوليم، وهنرييتا زولد، وحنة أردنت من بين أعضائها ومؤيديها. ويبيّن غرينشتاين أن الحركة لم تكن تفتقر إلى حسين النوايا، وإنما افتقرت إلى صفاء الذهن ووضوح الفكرة. وقد فشل الكثير من اليهود الأوائل من دعاة ثنائية القومية، الذين كانوا في كثير من الأحيان مسؤولين في المنظمات الاستيطانية الصهيونية هم أنفسهم، في رؤية كيف أن عمل إحدى اليدين ينقضه عمل اليد الأخرى. وقد أفشلت ممارسات العنف والتشريد التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من مشروع الاستيطان الاستعماري اليهودي التوسعي، على الفور الدعوات إلى إقامة اتحاد فيدرالي سلمي بين العرب واليهود.
في الوقت نفسه تقريبا، حاول الحزب الشيوعي الفلسطيني التوفيق بين عضويته اليهودية في الغالب (على الأقل في الأيام المبكرة) وبين دعم ثورة يقوم بها الفلاحون العرب ضد كل من مُلاك الأراضي العرب الكبار والسلطات الاستعمارية البريطانية. وفي حين ظل أعضاء الحزب الشيوعي الفلسطيني من اليهود في داخل المؤسسات الصهيونية، مثل "الهستدروت"، النقابة العمالية الوطنية، فقد اقتربوا –فيما ينطوي على مفارقة- من الدعوة إلى انتفاضة عربية مسلحة ضد عمليات إخلاء المستأجرين العرب على يد المنظمات الاستيطانية الصهيونية أو بيع الأراضي لها.
مع ذلك، لم تكن سياسات الحزب الشيوعي الفلسطيني في أغلب الأحيان من اختياره الخاص، وإنما كانت خاضعة للإملاءات المتحولة للحركة الشيوعية العالمية (الكومنتيرن)، مثل مسألة التعريب: تحويل الحزب إلى واحد ذي أغلبية عربية واستبدال قادته اليهود بعرب. ولم يكن الموضوع المثير للجدل، كما يكتب غرينشتاين، هو عملية التعريب في ذاتها، وإنما "الأساس المنطقي" لهذه العملية: وقد تضمنت هذه التغييرات أن "الجماهير العربية كانت تتحرك بثبات نحو الثورة، بغض النظر عن قيادتها الحالية واتجاهها، وأن اليهود كانوا شركاء من الدرجة الثانية بغض النظر عن سجلهم الشخصي".
بينما حدث النقاش في داخل الحزب الشيوعي الفلسطيني حول التعريب قبل تأسيس إسرائيل، فإن السؤال الأكبر يظل جزءا من خطاب اليسار المعاصر في إسرائيل/ فلسطين: من الذي ينبغي أن يقود النضال ضد الاحتلال؟ هل يجب على اليهود، باعتبارهم الطبقة صاحبة الامتيازات في إسرائيل/ فلسطين، أن يتبعوا دائماً قيادة الفلسطينيين، أم أن ذلك يختزلهم إلى "شركاء من الدرجة الثانية"؟ كيف يجب أن تكون صلة اليهود المناهضين للصهيونية بالدولة الصهيونية والمؤسسات شبه الحكومية، مثل "الصندوق القومي اليهودي؟ وأي أشكال ينبغي أن يتخذها التضامن مع ضحايا الصهيونية؟
لا يعرض كتاب "الصهيونية وسخطها" أي إجابات سهلة، ومع ذلك سوف يجد النشطاء اليوم قدرا كبيراً من السلوى في معرفة أنهم بعيدون عن الجيل الأول بحيث يشتبكون مع هذه الأسئلة.
خلال وبعد فترة ما قبل الدولة، تجادل ثنائيو القومية والشيوعيون على حد سوء العلاقة بين الصهيونية والكولنيالية. هل كانت الصهيونية هي شكلها الخاص من الاستعمار، أو مجرد قومية رجعية متحالفة مع القوى الإمبريالية؟ لم يكتف غرينشتاين بتعقب الكيفية التي تغيرات بها إجابات الحركات المختلفة على مر الزمن بينما تحول الوضع السياسي –والعلاقة الملموسة بين الصهيونية والإمبريالية الغربية، فحسب. وهو يقدم أطروحة مهمة عما يميز الصهيونية عن الأشكال الأخرى من الكولنيالية: تاريخياً، لم يسع الصهاينة إلى إخضاع السكان الفلسطينيين المحليين كطبقة تابعة لها طابع عرقي (مقارنة بجنوب أفريقيا، على سبيل المثال)، وإنما سعت إلا إقصاء الفلسطينيين تماماً من الجسم السياسي. كان الهدف هو خلق دولة قومية لليهود فقط.
تبقى نزعة الصهيونية الإقصائية جزءاً من الخطاب السياسي الإسرائيلي وسياسة الدولة حتى يومنا هذا . ويتم التعبير عنها في هدم منازل الفلسطينيين وقرى فلسطينية بأكملها. وتمكن رؤيتها في سياسات "تهويد" مناطق ذات أغلبيات عربية من السكان في داخل إسرائيل، مثل القدس الشرقية، والنجف والجليل. وهي قيد العرض الكامل في الإبعاد المباشرة وغير المباشرة للفلسطينيين من المنطقة (ج) من الضفة الغربية، حتى إذا قامت إسرائيل في أي وقت بضم الضفة الغربية رسمياً، فإنما ستتمكن من أخذ أقصى حدد ممكن من الأراضي التي يسكنها حد أدنى من الفلسطينيين. وقد اقترح وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، وآخرون تحويل مدن فلسطينية كبيرة في داخل إسرائيل، مثل أم الفحم، إلى دولة فلسطينية قد تنشأ في المستقبل. ويتحدث أعضاء من حزب نفتالي بينيت اليميني المتطرف "البيت اليهودي" علنا عن "نقل طوعي" للفلسطينيين إلى خارج فلسطين.
مع ذلك، ومنذ إبرام اتفاقيات أوسلو، أصبحت نظرة النخب الإسرائيلية إلى وجود الفلسطينيين في مناطق تحت السيطرة الإسرائيلي متعارضة نوعاً ما. ففي حين يتحدث الوسطيون وأولئك من يسار الوسط عن الحاجة إلى "فصل" و"طلاق" عن الفلسطينيين، فإن واقع الدولة الواحدة، المؤقت وغير محدد النهاية في الوقت نفسه، يوفر مصدراً رخيصاً وقابلاً للاستغلال من العمالة –فلسطينيين من المناطق المحتلة. وقد حول الاحتلال الذي لا نهاية له الإسرائيليين إلى مستعمرين من دون قصد، من الصنف الأكثر تقليدية.
تتعلق إحدى أكثر استبصارات غرينشتاين أهمية بفشل الحركات اليهودية ثنائية القومية في العثور على شركاء عرب. ويقول غرينشتاين أن العرب أدركوا ما لم يدركه اليهود ثنائيو القومية: أن الحركة الصهيونية السائدة تمتلك القوة لتقرير وتشكيل السياسة اليهودية في إسرائيل/ فلسطين، وأنه لم تكن لديها النية للتعايش السلمي. ولذلك قابلت القيادة الفلسطينية الإقصائية الصهيونية بالرفض –رفض الاعتراف بالحقوق السياسية اليهودية خشية أن يفضي ذلك إلى هيمنة اليهود على السكان العرب.
على الرغم من أنه كان بعيداً كل البعد عن أن يكون حتمياً، فإن الصراع في إسرائيل/فلسطين كان نتيجة لذلك واحداً بين قوميتين متعارضتين لا يمكن التوفيق بينهما. وحتى اليوم، بعد مرور أكثر من 50 عاماً على احتلال إسرائيل للضفة الغربية، ما تزال الحركة الوطنية الفلسطينية، على الأقل داخل فلسطين التاريخية، ملتزمة بالكفاح الوطني بهدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة. والمفارقة المحزنة هي أن إسرائيل، بعد أن حققت الهدف الصهيوني المتمثل في إقامة دولة يهودية وأكثر، أصبحت ملتزمة الآن بالتأكد من أن لا يحدث ذلك على الإطلاق.
كان أقرب مدى وصلته الحركات الإسرائيلية والفلسطينية من التعاون الجدي ثنائي القومية هو ما يصفه غرينشتاين بأنه "الحوار الأولي" بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي منظمة ماركسية متشددة في داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، و"ماتزبين"، الحركة الاشتراكية المناهضة للصهيونية. ومع ذلك، سرعان ما قُطع الاتصال بين الجبهة الشعبية و"ماتزبين" بسبب قمع الدولة واندلاع الاضطرابات في الأردن في العام 1970، لكن هذه لم تكن العقبات الوحيدة أمام المنظمتين. ومن بين نقاط الخلاف بين الحركتين كان حق اليهود في تقرير مصيرهم الوطني داخل فلسطين التاريخية. وفي حل الدولة الواحدة، التي ستكون واحدة ذات أغلبية عربية، هل ستكون لليهود حقوق جماعية –في الاستقلال الثقافي، واللغة العبرية- أم ستكون لهم حقوق فقط كأفراد في داخل إطار دولة عربية ديمقراطية؟
اليوم، تلاشت كل الأوهام المتعلقة بحل الدولتين، وشرع الإسرائيليون والفلسطينيون في التفكير معاً، مرة أخرى، حول ما قد يبدو عليه تقاسم أرض إسرائيل/ فلسطين في الممارسة. ومع ذلك، تظل مبادرات الدولة الواحدة والفيدرالية صغيرة، ومفتقرة إلى أي تأثير حقيقي أو دعم جماهيري. والسؤال الذي كانت قد أثارته الحركات السابقة –من مضامين نقاش التعريب في الحزب الشيوعي الفلسطيني إلى حق تقرير المصير الوطني لكل من اليهود والعرب داخل إسرائيل/ فلسطين –ما يزال بلا إجابة.
مع ذلك، يواصل اليهود والعرب، حتى من دون منصة موحِّدة أو استراتيجية متماسكة، الانضمام معاً في الخطوط الأمامية لجهود إسرائيل الرامية إلى إخراج الفلسطينيين من أرضهم –في النجف، ووادي الأردن، والقدس، وتلال الخليل الجنوبية. وقد فشل ثنائيو القومية، في جزء منه، لأنهم استطاعوا تخيل مجتمع مشترك، لكنهم لم يستطيعوا إلزام أنفسهم بنضال مشترك. وربما يستطيع النشطاء المعاصرون المناهضون للاحتلال، من خلال خوض كفاح ملتزم ونزيه ومشترك، إرساء الأساس لمجتمع مشترك في المستقبل.

*نشرت هذه المراجعة تحت عنوان: The untold story of Jewish anti-Zionists in Israel

التعليق