ظهور شيخ ثالث: السبل تفترق بالثنائي الحاكم الذي أبقى تونس مستقرة

تم نشره في الأحد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً
  • رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد - (أرشيفية)

تقرير خاص - (الإيكونوميست) 6/10/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

غالباً ما يطلِق عليهما التونسيون اسم "الشيخان". وهما زوج غريب، ثنائي من رجلين عجوزين قادا البلد منذ العام 2014. رشيد غنوشي يرأس حزب النهضة، وهو حزب إسلامي معتدل قاد أول برلمان منتخب بعد الثورة التونسية في العام 2011، ثم تنحى في العام 2014 بعد سلسلة من الاغتيالات السياسية. وفي الانتخابات اللاحقة، أعطى الناخبون أغلبية لحزب "نداء تونس"، وهو ائتلاف علماني بقيادة الرئيس الحالي، الباجي قائد السبسي. وشكل الاثنان تحالفاً غير متوقع؛ حيث لعب حزب النهضة دوراً صغيراً في حكومة الوحدة، ودعم الكثير من سياساتها. وفي 24 أيلول (سبتمبر)، أعلن السيد السبسي أن هذا العقد قد انتهى. وقال بمرارة: "لقد اتخذ النهضة مساراً آخر".
وليست خلافات الحزبين على شيء يتعلق بالدين، أو في الحقيقة على أيّ شيء جوهري. وبدلاً من ذلك، يدور الخلاف حول رئيس الوزراء الذي اختاره السيد السبسي. وقبل تعيينه في العام 2016، كان يوسف الشاهد خبيراً اقتصادياً غامضاً يحمل شهادة الدكتوراه في الأعمال التجارية الزراعية. وهو يصنف الآن في كثير من الأحيان على أنه السياسي الأكثر تمتعاً بالثقة في تونس (من الواضح أن هذه عقبة صغيرة بحيث لا تستوجب الإزالة). وتحظى جهوده لمكافحة الفساد بالشعبية. وقد شغل منصبه لفترة أطول من أي رئيس وزراء آخر في تونس، منذ العام 2011. ويبدو الآن أن الرئيس أصبح نادماً على تعيينه. وقد انتقد السيد السبسي وابنه النافذ، حافظ، رئيس الوزراء بشكل علني بسبب طريقة تعامله مع الاقتصاد.
بعض التونسيين سيوافقون. فبدعم من صندوق النقد الدولي، فرضت الحكومة على التونسيين إجراءات تقشفية مؤلمة. وربما كانت سياستها الأكثر إثارة للجدل هي السماح بأن يضعف الدينار. وقد انخفضت قيمته بأكثر من 20 % مقابل الدولار في العامين الماضيين، ليصل بذلك إلى أدنى مستوى له في أكثر من عقد من الزمان. وعزز الإهلاك بعض الشركات. ونمت الصادرات بنسبة 20 % في الأشهر الثمانية الأولى من العام. وارتفعت الصادرات الزراعية بنسبة 63 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. كما أن الأسعار المنخفضة أصبحت تغري السياح بالعودة إلى البلد. وكانت هذه الصناعة قد تحطمت في العام 2015 بعد أن اقتحم مسلح منتجعاً قرب سوسة وقتل 38 شخصاً. وهذا الصيف، تم حجز العديد من الفنادق بالكامل. وكان الإنفاق السياحي خلال شهر تموز (يوليو) أعلى بنسبة 44 % من العام الماضي.
لكن العملة الضعيفة أوقعت الفوضى بميزانية الدولة، لأن الكثير من ديونها بالدولار. وفي العام القادم، سوف تنفق تونس 9 مليارات دينار (3.2 مليار دولار) على خدمة الدين؛ أي ما يعادل 8 % من الناتج المحلي الإجمالي، وبنسبة 76 % أكثر مما دفعت في العام 2016. وقد ارتفعت أسعار الوقود أربع مرات في العام 2018، لكن فاتورة الدعم الحكومية تستمر في الارتفاع. وسوف تصل هذا العام إلى 4.3 مليارات دينار؛ أي أكثر بثلاث مرات من المتوقع. ويعتقد بعض الاقتصاديين أن تخفيض قيمة العملة ذهب شوطاً أبعد كثيراً من اللازم. وعلى الرغم من ارتفاع الصادرات، ما يزال العجز التجاري في ازدياد.
من جهته، يدعم السيد الغنوشي رئيس الوزراء، ويجادل بأن إقالته ستوقف الإصلاحات الضرورية. وليس هذا موقفاً طبيعياً لحزب النهضة. فهو يستمد الكثير من دعمه من المناطق الفقيرة التي انفجرت احتجاجاً على رفع الضرائب في وقت سابق من هذا العام. وقد أظهر الحزب رغبة في العمل للمصلحة الوطنية، حتى على حسابه الخاص. لكن السيد الغنوشي أيضاً سياسي داهية. ويشكل دعمه للسيد الشاهد علامة على ضعف الحزب الحاكم.
بعد انتخابات العام 2014، حصل نداء تونس على 86 مقعدًا في البرلمان؛ أي ما يعادل 40 % من الإجمالي. ثم بدأ نزيف الدعم على الفور تقريباً. ومنذ ذلك الحين، انشق حوالي نصف نواب الحزب. وتحالف الكثير منهم الآن مع السيد الشاهد، الذي تم تعليق عضويته في نداء تونس الشهر الماضي. ولم يسجل تحالفهم الذي يُسمى "الائتلاف الوطني" نفسه كحزب سياسي رسمي بعد. وعندما يحدث ذلك، سوف يكون من أكبر الأحزاب في البرلمان، بنفس حجم نداء تونس تقريباً. وبفضل دعم النهضة، من المحتمل أن ينجو السيد الشاهد من تصويت على حجب الثقة. ويخشى السبسيون أن يكونوا قد ألحقوا الضرر بأنفسهم بفعل أيديهم.
كان السيد الشاهد غامضاً فيما يتعلق بطموحاته السياسية. ويمكن أن يدخل البرلمان كرئيس لكتلة قوية. لكنه إذا عمد بدلاً من ذلك إلى المنافسة على الرئاسة في العام 2019، فسيكون ذلك اقتحاماً لحقل مزدحم. فمن المحتمل أن يطرح حزب النهضة مرشحاً. وتأمل ليلى حمامي، الأكاديمية الليبرالية التي حُرمت من الترشح في العام 2014، في خوض المنافسة هذه المرة. ويشكل عدم اليقين في هذا المناخ علامة تلقى الترحيب. ويبلغ عمر السيد السبسي 91 عاماً، فيما يبلغ عمر السيد غنوشي 77. وهما غالباً ما يبرمان الصفقات بعيداً عن الأعين ويعرضانها على المشرعين كأمر واقع. وقد أصبحت تونس بحاجة إلى وجوه جديدة وبرلمان أقوى. وهي تحتاج إلى المزيد من الشيوخ -والشيخات، أيضاً.

*نشر هذا التقرير: A third sheikh emerges: The ruling duo that kept Tunisia stable has parted ways

التعليق