فريهان سطعان الحسن

التنمر.. ظاهرة أكبر مما نظن!

تم نشره في الأحد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

لطالما ارتبطت فكرة التنمر بين الطلبة في المدارس وعلى مستويات ضيقة، لكن أبطال هذه الحكاية اختلفوا اليوم، بعد أن امتدت لتشمل المجتمع بأكمله.

الظاهرة الخطيرة في بعدها الأكبر تشير إلى أن التنمر والعنف أصبحا حالة مجتمعية مستشرية بجميع القطاعات والمجتمعات، وما نراه اليوم ما هو إلا تجليات وانعكاسات لها بكل مكان.

سلطة "الأنا" تلك التي تأكل في طريقها كل شيء، لم تعد تستثني أحدا، لينتج عنها ضحايا مشوهون نفسيا واجتماعيا يمارسون الأفعال ذاتها على غيرهم، لتكتمل دائرة القمع والعنف.

منظومة تراتبية تبدأ من المنزل لآباء يتنمرون على الأبناء ويمارسون عليهم أشد أنواع القسوة، والأطفال ذاتهم يجدون داخل المجتمع المدرسي مكانا ومتنفسا للاعتداء على زملائهم نفسيا وجسديا، وبعدها يذهبون للجامعة مع ممارسة الأفعال ذاتها، ويأخذون كل ذلك معهم لمكان العمل والحي والشارع، سعيا وراء فرض السيطرة التي يفتقدونها في مكان ما!

بيئة خصبة في مجتمعنا تحتضن جميع أشكال التنمر مع سياسة الترهيب والتخويف لإشباع الإحساس بـ"نشوة السلطة"، والحفاظ على المكتسبات كاملة وفرض الهيمنة بدون الأخذ بعين الاعتبار لا للإنسانية، ولا لسيادة القانون.

العنف والاستقواء باتا موجودين في كل المؤسسات والقطاعات. المعلمون فيما بينهم؛ للحفاظ على ما يعتبرونه حقا لهم لا يسمحون بأن يتغير أو يصادر منهم، وهم ذاتهم من يستقوون على الإدارات المدرسية ويتآمرون عليها متحدين كل الضوابط والقوانين، وهو المدير ذاته الذي يتنمر على مدير التربية الذي بدوره يستقوي على من هو أعلى منه، والعكس صحيح. لذا تكبر هذه الكرة الثلجية وتأخذ كل من بطريقها، الأخطر أن كل هؤلاء يحشدون الطلبة لممارسة كل أشكال العنف المتقصد والاعتداء على الممتلكات المدرسية خدمة لمصالحهم.

هكذا تكون بيئة التدريس المتوترة والمحبطة والتي يفترض أن تكون مثالا حقيقيا للتربية قبل التعليم، لا مسرحا لتصفية الحسابات، والطالب هو من يدفع الثمن بسلوكيات يتعلمها ممن يفترض أن يكونوا قدوة له.

وتنقل تلك الحالة للشارع مع غياب المنظومة الأخلاقية والقوانين الرادعة، فيكثر التراشق بالألفاظ النابية والشتائم الجارحة على مسمع من الجميع، وتندلع المشاجرات والتعديات التي لا تنتهي، وصولا إلى استخدام الأسلحة البيضاء والنارية لأبسط الأمور!

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن التنمر يطال رجل الأمن، لا لسبب، فقط لأنه يريد القيام بواجبه وتطبيق القانون ومحاسبة من يرتكب المخالفات.

للأسف، الاستقواء اللفظي والبدني يحدث بكل مكان؛ القطاعات الصحية، والشركات والمؤسسات الحكومية والخاصة، وبيئات العمل بمختلف مجالاتها، لتتسع هذه الظاهرة في تحد واضح لسيادة القانون وسلطته.

والأخطر من ذلك "البلطجة" الإلكترونية ممن يستعرضون عضلاتهم الوهمية على مختلف مواقع التواصل ويتعمدون المضايقات والشتائم والتشهير بالآخرين والتهديد من خلف شاشاتهم.

الحالة السيكولوجية للمواطن الأردني تتجه نحو الانغلاق على الذات والبعد عن الاشتباك المعرفي والثقافي مع الآخر إن جاز التعبير، ما يؤشر على حالة خطرة لمجتمع يرفض العلاقات الصحية المبنية على السلوكيات الإيجابية مع التراخي بتطبيق القانون والعقوبات الرادعة.

وصلنا لحالة تستدعي وقفة حقيقية للتصدي للظاهرة قبل أن تتفشى أكثر، عبر برامج وقائية وعلاجية على مستوى الدولة، تبدأ من البيت والمدرسة وصولا لكل الجوانب الحياتية الأخرى، علنا نستطيع مجابهة سلطة "الأنا" بسلطة القانون والضوابط المجتمعية الحقيقية.

التعليق