إعادة تعريف الهجرة الأفريقية

تم نشره في الثلاثاء 9 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً

موكيسا كيتوي*

جنيف- قِلة من القضايا هي التي قد تثير القدر نفسه من الحساسيات والعواطف المحيطة المرتبطة بقضية الهِجرة. فقد تسببت صور الأشخاص البائسين اليائسين النازحين -سواء كانوا يحاولون عبور الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك أو كانوا مكتظين في قوارب متداعية متهالكة يعبرون البحر الأبيض المتوسط- في تصعيد التوترات وصياغة سرد مفاده أن الهجرة لا تنطوي على أي جانب إيجابي.
لكن هذه الصور أعمتنا أيضاً عن حقيقة أن البشر كانوا دائمي الانتقال، وأن الهجرة ضرورية ومفيدة للتطور البشري. وتتجلى هذه الحقيقة بأكبر قدر من الوضوح اليوم في أفريقيا.
على الرغم من الأزمة السياسية الجارية المحيطة بالهجرة الأفريقية إلى أوروبا، فإن الواقع يؤكد أن عدداً أقل من الأفارقة يهاجرون إلى دول أوروبية الآن مقارنة بالأعداد التي بلغت ذروتها في تشرين الأول (أكتوبر) 2015. ويتنقل أغلب المهاجرين الأفارقة داخل أفريقيا. وتخلق هذه الحقيقة على وجه التحديد الفرصة للحكومات الأفريقية لتسخير القوة الإيجابية المتمثلة في قدرة البشر على التنقل.
يتطلب فهم الكيفية التي يمكن بها أن تعمل الهجرة على بناء الثروة في أفريقيا تكريس قدر أكبر وأوثق من العناية لاتجاهات الهجرة. وتشير البيانات الصادرة عن مؤسستي، مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، إلى أنه من بين 41.5 مليون شخص هاجروا من أفريقيا، أو إليها، أو داخلها في العام 2017، ظل النصف تقريبا -19 مليون شخص- في داخل القارة. وغادر أفريقيا نحو 17 مليون شخص، في حين هاجر 5.5 ملايين شخص إلى أفريقيا من أجزاء أخرى من العالَم.
يشمل المهاجرون الأفارقة العمال العاديين والموظفين، والواقع أن أولئك الذين ينتقلون داخل أفريقيا يفعلون هذا عادة لسد ثغرات في العمالة. وعلى سبيل المثال، أدى النقص في اليد العاملة في مجالات التعدين، والبناء، والزراعة، والخدمات المحلية، إلى تغذية الهجرة إلى جنوب أفريقيا وكوت ديفوار، وهما من أكثر المراكز الاقتصادية أهمية في القارة. وفي أماكن أخرى، اجتذبت أيضا قطاعات مثل الأخشاب والتعدين في الجابون، وصناعة النفط في غينيا الاستوائية، والعديد من الصناعات في كينيا، الهجرة من دول مجاورة.
الأمر ببساطة أن الهجرة إلى أفريقيا تساعد الاقتصادات التي يقصدها المهاجرون على تحقيق النمو. وبالإضافة إلى سد احتياجات العمالة، يعمل تواجد أعداد كبيرة من السكان المهاجرين على تحفيز ودفع التنوع الاقتصادي، وتنمية القطاع الخاص، وإنتاج القيمة المضافة. وعلاوة على ذلك، ينفق المهاجرون نحو 85 % من مكاسبهم في الداخل. ويضيف ضخ رؤوس الأموال على هذا النحو إلى القاعدة الضريبية في دول المقصد ويعمل على تعزيز استهلاكها المحلي.
لكن مهاجري أفريقيا يسهمون أيضا في تنمية بلدان المنشأ، بفضل التحويلات المالية وتقاسم المعرفة. والواقع أن القيمة الإجمالية للتحويلات المالية من جانب المهاجرين الأفارقة تتجاوزالآن حجم مساعدات التنمية الرسمية التي تتلقاها الدول الأفريقية. ومنذ عام 2015، كانت التحويلات المالية، التي سجلت نموا قويا منذ العام 2000، تمثل القسم الأعظم من إجمالي التدفقات المالية الخارجية إلى أفريقيا، في حين انخفضت مساعدات التنمية الرسمية من 37 % في الفترة 2001-2003 إلى 28 % في الفترة 2012-2016. وكانت التحويلات المالية تمثل 51 % من تدفقات رؤوس الأموال الخاصة إلى أفريقيا في العام 2016، ارتفاعا من نحو 42 % في العام 2010.
تتنبأ توقعات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) بأن يساعد تبني سياسات داعمة للهجرة على زيادة نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا بنحو 61 % بحلول العام 2030 -إلى نحو 3250 دولاراً. وبعبارة أخرى، لا تشكل الهجرة داخل أفريقيا ظاهرة إنسانية واجتماعية فحسب؛ بل تُعَد أيضاً عنصراً بالغ الأهمية للنمو.
وقد بدأت الحكومات الأفريقية تدرك هذه الحقائق. وتدعم دول عديدة الآن إطار سياسة الهجرة من أجل أفريقيا الجديد الذي أقره الاتحاد الأفريقي. ومنذ شهر آذار (مارس) 2018، تبنت أكثر من نصف الدول البالغ عددها خمسين دولة التي تعهدت بإنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية بروتوكولها بشأن حرية تنقل البشر.
للبناء على هذه الإنجازات، يتعين على الحكومات الأفريقية أن تستمد الإلهام من بعضها بعضاً. على سبيل المثال، من المنتظر أن تعمل مبادرات مثل برنامج التأشيرات المؤقتة في رواندا للمهاجرين شبه المهرة، والتوسع الأخير في المغرب في فئات الوظائف التي يمكن للأجانب الالتحاق بها، على جلب سياسات عمل أكثر مرونة لهذين السوقين. وسوف تستفيد دول أخرى كثيرة من دول المقصد من إبداعات مماثلة.
من المعالم الأخرى التي من شأنها أن تعزز الهجرة داخل أفريقيا الإطلاق المرتقب بشدة لجواز السفر لكل أفريقيا. ولكن من المؤسف أن الجمود البيروقراطي من المرجح أن يؤخر إطلاق هذه المبادرة، برغم أن هدفها -تعزيز التجارة والتكامل والتنمية الاجتماعية الاقتصادية داخل الاتحاد الأفريقي- يستحق الإشادة.
أخيرا، يستعد المجتمع الدولي لتبني أول ميثاق عالمي للهجرة الآمنة المنظمة والنظامية. والواقع أن هذا الاتفاق التاريخي يمثل مخططاً أساسياً لإدارة تدفقات الهجرة العالمية. وهو أيضا تصديق على كون الهجرة ضرورة اقتصادية، وليس فقط لأفريقيا. وعندما يتم إبرام الميثاق في هيئته النهائية في وقت لاحق من هذا العام في المغرب، فلابد أن يعكس الأولويات التي التزم بها قادة أفريقيا بالفعل.
من خلال اتفاقيات جيدة الصياغة والتنفيذ، يمكن للهجرة أن تصبح نِعمة للناس والأماكن التي يسمونها الوطن. صحيح أن الروايات الإعلامية المنحرفة اليوم تتجاهل وتهمل فوائد الهجرة. ولكن مع الاستعانة بالحقائق والالتزام بالعمل الجاد، يُصبِح بوسعنا أن نروي قصة مختلفة تماما.

*الأمين العام لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق