قراءات تنموية

النمو الاقتصادي في الأطراف.. مستفيدون وضحايا

تم نشره في الخميس 11 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً
  • مظاهر الفقر بادية على منطقة الشونة الجنوبية -(الغد)

أحمد أبو خليل

عمان- في بلدنا، كما في بلدان كثيرة، لا يتوقف السؤال حول أحقية (أو عدم أحقية) أهل منطقة جغرافية ما، بالثروات المتوفرة في منطقتهم. وحول هذا السؤال ومجريات الإجابة عليه دارت أحداث وصراعات كثيرة، وخاصة في الدول التي تعاني مشكلات تنموية حقيقية.
في الأردن يكثر طرح السؤال في مناطق الجنوب بشكل خاص، ولكنه يطرح أيضا في مناطق أخرى، كالبادية عموما، وفي محيط البحر الميت ومناطق الأغوار كلها، أي في المناطق الواعدة تنمويا أو التي تحتوي على ثروات طبيعية أو بيئية أو سياحية.
في جنوب الأردن بالذات، نتحدث عن المياه الجوفية وعن المعادن والرياح والشمس (مصادر الطاقة البديلة)، كما نتحدث عن المناطق الأثرية والتاريخية (السياحة)، كما نتحدث عن الميناء الوحيد. ولكن المفارقة أن الجنوب رغم ذلك يضم أبرز مناطق الفقر (معان هي المحافظة الأكثر فقراً في آخر إحصاء). وفي الجنوب يقع اثنان من أقسى جيوب الفقر (لواء وادي عربة ومريغة)، وعموما تعد مناطق الجنوب بيئة طاردة للسكان رغم كونها جاذبة للمستثمرين.
من يحوز الثروة؟
صحيح أن الثروات الطبيعية تحت الأرض وعلى سطح الأرض وفوق سطح الأرض، ومثل ذلك الثروات التاريخية (كالآثار) تعد ملكيات عامة للدولة (للشعب عموماً)، ولا يجوز الاستئثار بها من قبل فئة حتى لو كانت الأقرب مكانياً، غير أن هذه الإجابة البسيطة ليست كافية.
أكثر من زاوية للنقاش..
إن السلطة المركزية في الأردن ظاهرة حديثة نسبياً، ولا يزال البعد المحلي حاضراً في كثير من المستويات ومن بينها الاقتصاد والتنمية والإدارة. ومن اللافت أن السلطة المركزية تعمل في بعض الأحيان على استحضار البعد المحلي لأسباب مختلفة سياسية خاصة، ولكنها تسعى لإنكاره عندما يتصل الأمر بالقرار الاقتصادي التنموي.
لكل منطقة في البلد سيرة اجتماعية اقتصادية، ولا يجوز للمداخلات الحكومية الرسمية أن تحدث فيها خللا من دون ان تقدم بدائل مناسبة. إن الخطط والمشاريع الكبرى كثيرا ما أدت إلى بعثرة الأنماط الاقتصادية الاجتماعية التي اعتادت عليها المجتمعات المحلية، من دون ان يترافق ذلك مع حلول وبدائل.
ويمكن في هذا المجال تقديم الكثير من الأمثلة وبكلمات مختصرة:
لمنطقة "البترا" على سبيل المثال، وهي الأشهر سياحياً، سيرة آثارية سياحية منذ ما قبل تأسيس الدولة، وقد كان للمجتمع المحلي دور ونصيب في ذلك على الدوام، ولعل أول اصطدام بين المركز والسكان حصل في متصف عشرينات القرن الماضي، عندما قامت الحكومة بشق طريق وتعبيده بما حرم السكان من استخدام خيولهم في نقل الزوار، وتوصلت السلطات إلى حلول مع السكان حينها. ولكن حالة التشنج تواصلت حتى سنوات متأخرة، فقبل أقل من عشرين عاماً حصل اصطدام كبير عندما جرى ترحيل السكان من منطقة الآثار إلى قرية تشكل نشازا معماريا.
ولمناطق البادية عموماً قصص مماثلة لا تنتهي، في الجنوب والوسط والشمال، فبالتوازي مع تدهور نمط تحصيل الرزق الذي كان يعتمد اساسا على الثروة الحيوانية، كانت المشاريع الجديدة غير صديقة للسكان. حصل ذلك في المشاريع الزراعية الكبرى في الجنوب التي انتهت بعد أن استنزفت الكثير، كما حصلت في الوسط حيث يقيم السكان في مسارات غبار المشاريع الاستخراجية أو المخلفات الكيماوية لبعضها.
ولمنطقة وادي رم الشهيرة سياحياً قصة مماثلة، فالقرية التي يعود تأسيسها إلى حوالي 90 عاماً وتحمل اسم "رم" جرى تسويرها بما يحد من توسعها، بعد رفض فكرة ترحيل السكان منها نهائياً، بينما يحمل الأهالي سيرة طويلة من العلاقة مع الزوار والسياح والمستكشفين.
للبحر الميت قصته مع السكان المحيطين، الذين يجري استبعادهم بالتدريج مع كل مشروع كبير، والأمر ذاته مع كثير من مناطق الأغوار آخرها في أقصى الشمال، أي في منطقة الحمة، التي تم تحطيم نمط العيش الذي صنعه السكان عبر عقود طويلة بالعلاقة مع مصدر المياه الحارة العلاجية.
وعلى العموم، فإن كل منطقة تمتد إليها يد المشاريع الكبرى، فإن الاصطدام وقع فعلا مع المجتمعات المحلية بمستويات مختلفة. بل إن المشاريع التي حملت أسماء أليفة مثل "المناطق التنموية" تبين كما أفصح رئيس الوزراء مؤخراً أنها أصبحت وسائل للتحايل الضريبي، وفق القانون!
الدولة ومواطنوها
تعالوا نتأمل المشهد التالي: قبل سنوات حضر إلى العاصمة عمان عدد من أبناء البادية الجنوبية للمشاركة في اعتصام لعمال المياومة، وقد رفعوا يافطة كتبت عليها عبارة تطالب بوقف سياسة الإفقار الحكومية. اقتربت منهم وسألتهم سؤالاً استفزازيا كالتالي: لماذا تقولون إن الحكومة تفقركم؟ لقد كنتم فقراء وجاءت الحكومة ووظفتكم كعمال مياومة وهي تعطيكم الرواتب؟ فرد علي أبرزهم: "لا والله ما كنا فقراء، كان عندنا حلالنا وحليبنا ولبننا، ولكن الحكومة هي التي رفعت سعر الأعلاف وحرمتنا من مصدر رزقنا".
قبل ذلك وفي مشهد مماثل، كان مسؤول حكومي يجادل معتصمين احتجاجا على رفع الدعم عن الأعلاف، وطلب منهم مراجعة صندوق المعونة، وانه يتعهد للفقير بصرف معونة مالية من الصندوق، وحينها قال له أحد الرعاة المحتجين: ألستم دولة واحدة؟ لماذا لا تحولوا المبالغ التي ستعطونا إياها عبر صندوق المعونة إلى دعم للأعلاف فتبقون لنا على كرامتنا ولا تخسرون شيئاً؟".
في الحالتين، فإن المحتجين من مربي الماشية كانوا يحوزون منطقا تنموياً أفضل من منطق المسؤولين وأصحاب القرار. ذلك أن الدولة يفترض أنها جهاز كلي، ولا يجوز أن يتعامل مع البلد ومع المواطنين على طريقة حسابات الجدوى المالية، أي حسابات الربح والخسارة.
غير أن التداعيات لا تتوقف عن البعد الاقتصادي لوحده، حيث تشير تجارب العديد من البلدان التي أقيمت فيها المشاريع غير الصديقة للمجتمعات المحلية إلى أن مشاكل أمنية وسياسية تولدت عن ذلك، ولعل التجربة الأحدث على المستوى العربي، تتمثل في الحالة التونسية، حيث يعيش هذا البلد منذ سنوات موجات من التوتر في الأطراف بسبب هذه الممارسة، أي قيام مشاريع في الأطراف يشعر المواطنون أنها خصم لهم.
إن تجاوز مصلحة المجتمعات المحلية يحول المواطنين من مستفيدين من نمو اقتصاد بلدهم إلى ضحايا لهذا النمو، بينما يتعين على الدولة أن تنظر إلى مواطنيها على انهم متساوون بغض النظر عن نوع وحجم استثماراتهم!

التعليق