الملاءة المالية والاستقرار النقدي

تم نشره في الخميس 11 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً

الدكتور خالد واصف الوزني

الأرقام الدولية قبل المحلية تتحدّث عن قوة ورصانة الجهاز المصرفي الأردني من جهة، وحصافة وحاكمية السياسة النقدية التي يتبعها البنك المركزي الأردني من جهة أخرى.
ويُعد البنك المركزي الأردني من أكثر البنوك شفافية وحاكمية واستقرارا على مستوى المنطقة، والإقليم، بل وعلى المستوى العالمي.
كما تُعد الملاءة المالية للجهاز المصرفي في المملكة وحصافة واستقرار السياسة النقدية من الممكنات الرئيسة التي خدمت الاقتصاد الأردني على مدار السنين. ولعلَّ أكبر شاهد على ذلك الخروج من كافة الأزمات المالية العالمية بأقل الخسائر، بل ومن دون تأثير حقيقي أو ملموس في الجهاز المصرفي الأردني، أو في العملة الوطنية، أو في القطاعات الاقتصادية المالية والحقيقية.
فمنذ الانفكاك عن ربط العملات بالذهب، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى الانفكاك عن ربط الذهب بالدولار في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي، مرورا بأزمات المنطقة السياسية والعسكرية في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وحتى التسعينيات من القرن الماضي، وانتقالا إلى أزمات ما سمي "الربيع العربي"، وانتهاء بما نشهده اليوم من تطورات اقتصادية وسياسية إقليمية وعالمية، في مواجهة ذلك كله، فقد أظهرت الملاءة المالية لمكونات الجهاز المصرفي الأردني، والاستقرار النقدي للدولة، قوة ورصانة ومقاومة تشير بلا شك إلى أنَّ السياسة النقدية للدولة مثلت على مر العصور عامل استقرار للاقتصاد الوطني، وحافظت بشكل فريد على قدرة الاقتصاد على المقاومة  والصمود، وخفّفت وطأة الكثير من الخسائر التي كان يمكن للاقتصاد أن يتكبّدها لولا تلك السياسات.  ولعلَّ مردَّ ذلك كله اليوم يعود بشكل واضح إلى أمرين محدّدين؛ الأول خبرة وقدرة وحصافة القائمين على الجهاز المصرفي الأردني، والذي يقوم على خبرات مميزة على مستوى مجالس الإدارات وعلى مستوى الإدارات التنفيذية على حدٍّ سواء.
وهي خبرات أظهرت تميُّزاً وتفرُّداً في القدرة على التعامل مع الصدمات، بل على سرعة تطوير الجهاز المصرفي وسرعة تأقلمه مع التطورات العالمية سواء أكانت تطورات فنية في العمل، أم تطورات بيئة خارجية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، سلبية كانت أم إيجابية. ولعلَّ التطور التكنولوجي وتنوع باقة الخدمات المميزة من ناحية، والاستجابة لمتطلبات الهيئات الدولية وما يتأتى من قرارات بازل، ومؤسَّسات التصنيف الدولي وغيرها من المتطلبات العالمية من ناحية ثانية، أكبر دليل على حصافة إدارة المصارف الأردنية سواء أكان ذلك على مستوى مجالس الإدارة أم على مستويات الإدارة التنفيذية المختلفة.  أمّا الأمر الثاني في تمَكُّنِ الاستقرار النقدي في البلاد من المقاومة والصمود والاستدامة، فهو أمرٌ بلا شك يتعلق بالقائم على السياسة النقدية في البلاد، أي البنك المركزي الأردني الذي أثبت منذ إنشائه عام 1964 أنه من أكثر البنوك المركزية قدرة على إدارة دفة السياسة النقدية، والتأقلم مع متطلبات السياسة الاقتصادية، ودعم استقرار العملة الوطنية. وقد ظهرت قوة ورصانة وسرعة ومرونة السياسة النقدية وحصافتها فيما شهدناه من خروج سريع وآمن للاقتصاد الأردني والعملة الوطنية من أزمات متعددة، وخاصة أزمة نهاية عقد الثمانينيات من العقد الماضي، ناهيك عن الأزمة المالية العالمية 2008.
الشاهد ممَّا تقدَّم أنَّ معطيات المؤشرات النقدية والمالية للجهاز المصرفي للبلاد، من مستوى احتياطيات أجنبية، يغطي أكثر من ضعف المتطلب العالمي، إلى صحة وسلامة نسب التركز الائتماني، ونسب كفاية رأس المال، ونسب التغطية المالية، واختبارات الضغوط المختلفة، كل ذلك يشير إلى قوة واستقرار الجهاز المصرفي والسياسة النقدية في البلاد، ويشير بلا شك إلى قوة ومتانة العملة المحلية.
تبقى ملاحظة لا بدَّ من إدراجها في عُجالة، وهي أنَّ الارتباط بسياسة سعر صرف ثابت على الدولار، حمت العملة على مدى السنوات الثلاث والعشرين الماضية من تقلبات كبيرة، وأعطت نموذجاً صلباً في استقرار العملات، بيد أنَّ ذلك لا يحتم بأي شكل ضرورة رفع أسعار الفائدة بشكلٍ موازٍ ومتطابق تماماً مع ما تفعله سياسة حماية سعر الدولار في الولايات المتحدة الأميركية، نحن بحاجة إلى التفكير مليّاً في الوزن النسبي المناسب لانتهاج هذه السياسة، فلن يكون من السليم ملاحقة مستويات الرفع التي ستتم خلال الفترة القادمة على الدولار؛ لأنَّ ذلك سيضرُّ بعجلة الاقتصاد الوطني، وعليه لا بدَّ من إيجاد مخرج يحافظ على سعر صرف العملة المحلية، ولا يُغَرِّمُ الاقتصادَ نتائجَ ذات تكاليف عالية. 

التعليق