"العكاز" رفيق درب لصاحبه وتذكار جميل تتوارثه الأسرة

تم نشره في الجمعة 12 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً
  • العكاز.. يرافق كبار السن في تنقلاتهم -( تصوير: ساهر قداره)

تغريد السعايدة

عمان- منذ أن يفتح عينيه يبدأ بتفقد عكازه الذي يرتبط به بشدة، فهو يحرص على أن يضعه بجانب رأسه قبل النوم. أينما ذهب يرافقه ليكون شاهدا على خطواته، أوجاعه وأفراحه، وتفاصيل حياته كافة.
كغيره من كبار السن، ترك الحاج أبو ابراهيم العمل منذ سنوات عدة، وهو ما يزال في "مقتبل الحياة"، أصبح بحاجة إلى رفيق يساعده على الحركة والتنقل، خصوصا بعدما تزوج الأبناء، وظل وحيدا برفقة "الحجة" التي هي أيضاً تحتاج إلى "عكاز" يركن ظهرها المقوس بعد سنين من تعب الأمومة والبيت.
كانت الهدية التي حصل عليها قبل ما يقارب العشرين عاماً، وأصبحت "رفيق دربه"، يسند ساعده بها، وهو ينحني لانتقاء الخضار ومستلزمات البيت، ثم يسارع للاتكاء عليها من جديد، تساعده على الحديث وهو يحركها، ويقول "أحب أن أحرك يدي عند الكلام، والعكاز أصبح جزءا مهما في حركتي، ومؤشري للأماكن، وأحياناً للممازحة مع أصدقائي أو أحفادي".
ولا يغيب عن أعين المارين في الشوارع والحارات على اختلافها، مشاهدة كبار السن الذين يتجولون بين المحلات التجارية أو يبحثون عن مكان للجلوس أمام أبوابها، يجتمعون ساعات النهار، يتبادلون الأحاديث اليومية، يرافقهم "العكاز" بكل مكان.
"كرسي هزاز على زوايا إحدى الغرف، بجانبه مسند صغير، ومن فوقه عُلقت عصا خشبية مزينة بالعديد من القطع النحاسية المحفورة"، مشهد آخر "للعكاز" يتجسد في منزل أم فراس المتوفاة، التي طالما طوقت يديها عنق تلك العصا، التي رافقتها طوال 25 عاما مضت، وظلت "ذكرى" طيبة لأبنائها وأحفادها.
العكاز كان لوالدة فراس منصور الذي يقيم في الخارج هو وأشقاؤه، ويستذكرون الأوقات الجميلة، التي كانت تمضي بدون شعورهم، يجلسون لساعات طويلة، يساندون والدتهم عند المشي من جهة، بينما العكاز الخشبي يتولى الناحية الأخرى.
يعتقد ولدها محمود، أن هذا العكاز لم يكن يوماً عصا خشبية عابرة في حياة والدته، فعندما تحتاج إلى "متكأ" تجده بقربها، فعلا "رفيقها"، ربما لم تجد من يسندها غيره، بحسب محمود، مبينا "لذلك هذا العكاز ولمسات "الأم" أصبحت تذكارا جميلا تناظره الأسرة الممتدة الكبيرة، ويجدون فيها "روح الآباء" وذكريات العمر الجميل".
مقتطفات وكتب ومقالات تاريخية تناولت بشكل "مقتضب" الحديث عن العكاز وعن تاريخه، ولكن في العقول ارتبط منذ أزل بأنه حاضر في مختلف الأعمار؛ حيث كان يستخدمها الإنسان قديماً في الرعي والدفاع عن النفس، والمساعدة على الحركة خلال التنقل بين الأراضي الوعرة، ويبقى العكاز رفيق "عمر" إلى أن يصبح القدم الثالثة للإنسان يساعده على المشي والاستناد عليه.
في حين تُظهر مختلف المقاطع المعروضة تلفزيونياً أو القصص المصورة، بشكل دائم "العكاز" على أنه رفيق الحكماء وكبار السن الذين عاشوا من العمر "عتيا"، لم تعد أقدامهم قادرة على مساندتهم للمشي، فيلجأ كبير السن إلى أن يجد رفيقاً دائماً لا يفارقه إلا عند الخلود للنوم، هو "العكاز".
لذا، حرصت أم عبد الله عند ذهابها في رحلة سياحية إلى تركيا على أن تحضر هدية قيمة لجدتها، ووقع اختيارها على "عكاز" يساعدها على الحركة ويكون جميلاً و"مشغولا" بطريقة تسر قلب جدتها، رغم امتلاكها العديد من "العكازات" في غرفتها، ولكنها على قناعة بأنه أكثر شيء تحتاج له ويسعدها في الوقت ذاته.
وتقول أم عبد الله "إن التفاصيل البسيطة تُسعد كبار السن، فقررت أن تختار عكازا مرصعا بالأحجار الكريمة، وله قاعدة بلاستيكية تساعدها على عدم الانزلاق؛ حيث وجدت أن العكاز الخشبي في تركيا من الصناعات الحرفية التي يولونها اهتماماً كبيراً، ولها قيمة مادية ومعنوية كبيرة لديهم".
و"للعكاز" أهمية معنوية للعديد من الأشخاص والعائلات على مدار عقود، لذا اتخذ العديد من الحرفيين صناعته بتفاصيل مختلفة وحرفية عالية، حتى أمست مهنة متوارثة بين الأجيال، كما يتوارث "العكاز" بين العائلات.
ويعتمد صناع العكاز على اختيار أصناف مختلفة من الخشب الصلب الذي يتحمل العوامل الخارجية وقساوة الطرق التي ترافق مستخدمها، ومنها ما يبقى أعواما طويلة كما في أحد الأشخاص الذي عرض "عكازاً خشبياً" للبيع "بسعر مرتفع جداً" على أحد مواقع البيع الإلكتروني.
وجاء في نص الإعلان "عصا جدي أصلي مرصع بالنحاس الأصفر منذ العام 1935"، ومرفق مع الإعلان السنوات والأحداث التي رافق فيها العكاز جده منذ أكثر من 80 عاما، وتوالت عليه عروض الشراء، والتي إن دلت فإنما تدل على أهمية تلك "التركة" في نفوس الكثيرين، ولا يقتصر الحديث عن عصا فقط.
النجار محمود قنديل، لديه خبرة في صناعة العكاز الخشبي، يقول ه"ناك من يهتم بصناعة العكاز بشكل كبير، بحيث يختار أنواعا معينة من الخشب الصلب الذي يدخل في استخدامه، وأهمها البلوط والآش والزان، الأفريكية، وغيرها من الأنواع المختلفة، ولكن تجمعها الصلابة والمتانة".
ويبين قنديل أن ما يجعل "العكاز" متفاوتاً في أسعاره هو الخشب والإضافات الأخرى التي يتم فيها "تطعيم الخشب" كما في استخدام الجرانيت أو النحاس أو العظم في المقبض، بالإضافة إلى ما يتم وضعه على الساق الخشبية من قطع تختلف في قيمتها.
كما أوضح قنديل أن طول العكاز يتفاوت ما بين 80 و90 سم، وتتم مراحل عدة للخروج بالهيئة التي يراها فيها الآخرون، وأولاها تكون في المنجرة يتم فيها قصها بالشكل المعتاد، ومن ثم إرسالها إلى "المخرطة" ليتم تشكيلها بطريقة ملساء وبمقبض دائري، ومن ثم وضع التطعيمات فيها والأشكال المختلفة، وفي النهاية مرحلة الدهان بحسب اللون المطلوب أو إبقاء لون الخشب عليها كما هو "حسب الرغبة".
وللعكاز دلالات كثيرة بعيدة عن استخدامه "للاتكاء فقط"، فالكثيرون يستخدمونه كنوع من "الكماليات" الجمالية، وخاصة لدى الرجال، بحسب البيئة التي يقطنون فيها، فيما تعمدت الكثير من الدول إقامة معارض ومتاحف خاصة "للعكاز"، كما في المتحف المصري وبريطانيا وأميركا وألمانيا وسويسرا، التي تحتضن عكازات للعديد من المشاهير والقادة السياسيين.

التعليق