د.أحمد جميل عزم

طفل كفيف في دار أيتام مقدسية

تم نشره في الجمعة 12 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:08 صباحاً

إذا كان الأطفال يحتفظون بذكريات مفصلة عن بداية حياتهم خارج البيت،  فكيف سيكون أمر طفل كفيف، وجد نفسه وحيدا في أتون حياة صعبة. لقد أصبح رجائي بصيلة، أكاديميا معروفا درّس عشرات السنوات في الجامعات الأميركية قبل عودته أيضاً للتدريس في فلسطين، وتحديداً بيرزيت.
وُثِقَت بداية قصة بصيلة في العدد 73 من مجلة "Jerusalem Quarterly" التي صدرت مؤخراً بالتزامن تقريباً، مع العدد 74، باعتبار أن العددين يتحدثان عن يوميات ومذكرات القدس والمقدسيين، والواقع أنني وجدت في اليوميات والسير سمة مشتركة هي ببساطة أنّ جزءا كبيرا منها يبدأ كشيء عادي، شخصية للغاية، قبل دخول العامل الصهيوني ليغيرها.
كدت أتوقف عن قراءة المذكرات، رغم أنها مؤثرة وتصلح لتكون مسلسلاً تلفزيونياً، فهي شخصية للغاية في البداية. فرجائي طفل كفيف ولد نهاية العشرينيات أو أول الثلاثينيات، لم يجد والده بديلا سوى أخذه لمدرسة "دار الأيتام الصناعية الإسلامية" في القدس القديمة، ليتعلم شيئا، وبالدرجة الأولى صناعة المكانس والفُرَش (جمع فرشاة). وإذا كان الطفل العادي يشعر بقلق شديد في أول يوم في المدرسة، فماذا عن طفل كفيف، يتركه والده على عجل على بوابة المدرسة مع شخص ينتظره؟. يقضي اليوم وهو "يهجس" هل سيعود أبي لأخذي؟، ولن يأتي أحد ليراه من أهله حتى أسبوعين فالمدرسة داخلية. عندما يتبول في فراشه، في أول لياليه هناك، سيتذكر كلمة أمه "عيب" وسيتذكر أنه لم يفعل هذا منذ أمد طويل.
فكّر أن وجوده مع عشرات الأطفال كفيفي البصر يمرحون، يجب أن يشعره بألفة ما، ولكن هذا لم يحصل، وبكى كثيرا في أول رجوع للبيت؛ لا يريد العودة للمدرسة. يعطي بصيلة لمحة مفصلة عن الحياة حينها، التي يتعرف عليها بغير حاسّة البصر، فتجده يحدثك عن روائح الناس وأصواتهم، وعن وزن وملمس وصوت الجمادات حوله. ومع فرض الوضوء والصلاة عليه، ومع استدعائه ليرحب بالحاج أمين الحسيني، مفتي القدس، يلفته الشَعر على يد المفتي وهو يقبلها، ويفكر الولد في فلسفة كل ذلك، وسيخبرنا مثلا أن والده كان يقرأ القرآن في البيت ولا يصلي، ويفكر هل يسبغ المفتي على الأطفال البركة والرضى عندما يقبلون يده ويقول لهم "الله يرضى عليكم"، أو المفتي يحصل على البركة من الأولاد؟.
يخبرك عن زميله الذي يستطيع معرفة عدد "حصوص" البرتقالة باللمس، قبل تقشيرها، وعن غيرته عندما ينضم للمبصرين في الدراسة، فيعشق رائحة الحبر الذين يكتبون به، ويعشق صوت الطباشير على اللوح فيمسكها "يخربش" بها، فيطرب لصريرها، بينما المبصرون يضحكون. يميّز أن عطر الناس يسبقهم حيناً؛ فتشم رائحته قبل شعورك به، وأحياناً يلحقهم عطرهم. 
النصف الأول من المذكرات كله عنه هو، ثم يختفي هو، وتأتي السياسة. 
مع ثورة 1936 يسأل عمّا يحدث فيخبره رسّام "إنّ اللصوص يسرقونك في سواد الليل أما اليهود ففي بياض النّهار"، وبينما يفهم الفكرة، يفكّر في الفرق بين البياض والسواد. ويسأل كثيراً حتى يضيق من حوله به،  ويقولون "تريد أن تعرف البيضة من باضها؟". يصبح خبيرا بأصوات الرصاص، بين البنادق الألمانية، والإيطالية، والإنجليزية، وبندقية "المترليوز" صاحبة الصوت المنخفض، ويزعجه وجود مسدس كاتم صوت، يقتلك برصاص "دمدم" دون أن تسمعه.
توضح مذكراته (ضمنا وليس صراحة) جذور ظواهر دينية واجتماعية وسياسية تطورت عبر القرن الفائت؛ مثلا، وهو يحدثك عن شعر عبدالكريم الكرمي، في هجاء الزعماء العرب، تعرف كيف طور العرب، أو المشرقيون خصوصاً، شعوراً بالامتعاض من كل ما هو رسمي، كما يوضح لك كيف أن كل ضحية للاحتلال والعدوان صار ينظر إليه على أنّه بطل، حتى لو لم يفعل شيئاً، ثم تعرِف، كيف كره الفلسطينيون يوم الثلاثاء لسنوات، لأنه يوم شنق ثلاثة فدائيين في سجن عكا.
مذكراته، بتسلسل كتابتها، تعني أنّ الناس كانت تهتم بنفسها وشؤونها وعندما جاء الاحتلال اختفى نسبياً الفرد والشخص. طغى العام على الشخصي، غير الوطني وغير السياسي.
كان هناك مجتمع يسعى لتطوير ذاته ثم صار هناك مجتمع يتحسر على ما كان ويوثقه شهادة بأنّه كان هناك حياة.        

التعليق