أردنة الاقتصاد الوطني وأقلمته بديلا عن عولمته

تم نشره في الأحد 14 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

د. أديب حداد*
قرأت تصريحات رئيس الوزراء، في المقابلة التلفزيونية ومحاضرته في الجامعة الأردنية، حول برنامج عمل للحكومة والمتضمن خطة متكاملة للعامين المقبلين، بالإضافة إلى برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، وقرأت أيضاً، خلال الأسابيع الماضية، مقالات وحوارات متفاوتة تؤكد أهمية إجراء دراسات شاملة ومعمقة تتناول الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتؤكد أيضاً إمكانية التفكير جدياً خارج نطاق إصلاحات صندوق النقد الدولي، بسبب صعوبة شروطه التي يفرضها على الدول المقترضة من الأسواق العالمية.
صحيح أن تعديل قانون ضريبة الدخل ليس هدفاً بحد ذاته لتحفيز النمو الاقتصادي، وليس أيضاً منهجاً لنموذج اقتصادي جديد يأخذ بعين الاعتبار الأزمة الاقتصادية الخانقة، وإنما هو وسيلة من وسائل الصندوق الاقتصادية للحفاظ على التصنيف الائتماني الدولي للأردن لتسهيل عملية الاقتراض من الخارج بأقل التكاليف، بالإضافة إلى استمرار تدفق المساعدات والمنح الخارجية لتخفيض حدة العجوزات المالية.
فلماذا هذا الاهتمام الرسمي بوصفات صندوق النقد الدولي الجاهزة والتي لم تنجح في معظم الدول النامية؟
وهناك أمثلة عديدة على فشل الصندوق في معالجة الفقر والبطالة والنمو الاقتصادي في دول النمو الآسيوية والمكسيك والبرازيل والأرجنتين وحتى في دول أوروبية، مثل اليونان.
لقد بات واضحاً لنا جميعاً، بما فيه القطاعين العام والخاص، أن حدة الأزمة الاقتصادية وحجم تداعياتها، والتي امتدت بشكل واضح لتشمل جميع المجالات الاقتصادية والمالية والخدمية، يمكن وصفها بالقشة التي قصمت ظهر البعير.
فالتخطيط الاقتصادي السليم هو المحرك الأساسي في تحفيز النمو الاقتصادي ومعالجة الفقر والبطالة والعجوزات المالية والتجارية، لأن جميع المؤشرات الاقتصادية من إنتاج واستهلاك وإيرادات ونفقات وغيرها تشير الى أن النهج الاقتصادي الحالي لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية ومعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد تتطلب إعادة تصحيحه باستحداث خطط واستراتيجيات اقتصادية واجتماعية متوازنة وفاعلة.
فهذا يستدعي وضع إيديولوجية جديدة للنظام الاقتصادي شعارها الأساسي الاقتصاد الاجتماعي وفلسفتها الحقيقية وضع الضوابط والقواعد المنظمة لهذا النظام بعيداً عن العولمة العالمية. فقد أصبحنا اليوم بحاجة ملحه إلى اتخاذ إجراءات ملموسة والتخلي عن الأفكار الجاهزة، وذلك بتبني استراتيجية مستقبلية تتضمن استخدام لقياس المتغيرات الاقتصادية المختلفة كمياً وإحصائياً ومن ثم تحليلها للتعرف على ماهية المشكلة الاقتصادية ومدى ارتباطها بتلك المتغيرات لاتخاذ القرارات المناسبة من أجل حلها.
فعلم الاقتصاد مثل العلوم الأخرى ينصب على حل مشكلة ما تستدعي وضع افتراضات وبدائل تقودنا إلى استنتاجات مهمة تستخدم في تفسير العلاقات المتشابكة بين المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وارتباط المشكلة الاقتصادية بها للحصول على نتائج مهمة لتبني سياسة اقتصادية قابلة للتنفيذ.
وهذا يقودنا إلى الاستنتاج المنطقي، فإعادة هيكلة إيديولوجية النظام الاقتصادي الأردني يتطلب تشكيل فريق وطني من خبراء وأكاديميين وباحثين مختصين من مختلف علماء المجتمع الأردني في المجالات ذات العلاقة بالأمور الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية وغيرها لتحليل أسباب الأزمة الاقتصادية الحقيقية واستنباط الحلول الجذرية للخروج من مأزقها وتداعياتها المستقبلية باستحداث تغيرات جذرية قادرة على بناء خطة متكاملة اقتصادياً واجتماعياً للأعوام المقبلة، حسب تصريحات رئيس الوزراء.
أما الحقيقة الثانية، فباعتقادي أن ما صرح به رئيس الوزراء في اجتماعه مع وزيري النقل المصري والعراقي يعد رسالة واضحة الى أهمية أقلمة الاقتصاد الأردني في ظل التحديات الحالية التي تواجهنا؛ حيث ركز على أهمية "بناء تكتل اقتصادي متكامل بين الأردن ومصر والعراق"، وعلى أهمية مشروع الربط السككي بين الدول الثلاث، مما سيساعد على تحقيق نهج التكاملية بينها.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة ودخول الاقتصادات العربية في مرحلة الركود الاقتصادي، فإن الأمر يستدعي التضامن الإقليمي العربي رغم اختلاف النظم السياسية من أجل تخطي الصعوبات والتحديات التي تفرزها الأزمات الاقتصادية في المراحل المقبلة، ومن أجل الحفاظ على فوائض الأموال العربية والعمل على عودتها الى الأسواق العربية، لأن العولمة بأشكالها المختلفة من تدويل لعمليات الإنتاج والخدمات والأسواق المالية وغيرها جعلت دول العالم الثالث تواجه تحديات صارمة نتيجة سيطرة القطب الاقتصادي الواحد على اقتصادات العالم مما أدى إلى انهيار اقتصاداتها، كما حدث في دول النمور الآسيوية وغيرها من دول العالم الثالث.
وعلى الرغم من المشاكل والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، فإن تكوين تكتل اقتصادي متكامل بين الأردن ومصر والعراق يعد المحور الأساسي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لتشكيل تكتل اقتصادي عربي جديد يشمل دول الخليج العربي، فالمطلوب توفر الإرادة والتصميم لدى صانعي القرارات السياسية والاقتصادية في الأردن ومصر والعراق للتغلب على الصعوبات التي تقف في طريق التعاون الاقتصادي العربي المشترك مع دول الخليج العربي، وذلك بتبني استراتيجية مستقبلية لتعاون إقليمي عربي موحد تتضمن توفير الأطر المؤسسية والتقنيات الحديثة لخلق بيئة استثمارية ملائمة تساعد على توظيف الأموال العربية في أفضل المجالات الاستثمارية، وكذلك توفير القوانين والتشريعات المنظمة لحركة المؤسسات والشركات المالية والصناديق الاستثمارية والأفراد داخل الوطن العربي وتسهيل عمليات إدخال وإخراج رؤوس الأموال وتحويل عوائد الاستثمار لأصحابها. ولا شك أن قيام تكتل اقتصادي عربي سيعزز من القدرة التنافسية مع التكتلات العالمية وسوف يلعب دوراً بارزاً من النظام الاقتصادي العالمي. ناهيك أن العقد المقبل هو بمثابة التحدي والأمل للاقتصاد العربي بسبب التحولات الجذرية في الأوضاع الاقتصادية الدولية بعد الأزمة المالية العالمية.
ومن باب التذكير، أن من أهم السيناريوهات المطروحة للوصول الى تكتل اقتصادي إقليمي عربي جديد هو البدء بتفعيل اتفاقية السوق العربية المشتركة وإحياء مشروع اتحاد المدفوعات العربية، ومن ثم يصار إلى تنفيذ التكامل النقدي العربي وإحياء اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية المنشودة بإذن الله.

*خبير اقتصادي

التعليق