ألمانيا: اشتراكية الحمقى

تم نشره في الأحد 14 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً
  • أنصار حزب "البديل من أجل ألمانيا" في مسيرة مؤيدة للحزب - (أرشيفية)

مايكل برونينغ*

برلين- لو تم احتساب استطلاعات الرأي كالانتخابات، لكانت أجزاء كبيرة من ألمانيا تخضع الآن لحكم أحزاب أقصى اليمين. ففي العديد من الولايات الألمانية الشرقية، عمل حزب "البديل من أجل ألمانيا" على ترسيخ نفسه كأقوى قوة سياسية. وفي كل مكان تقريباً من البلاد، يحتل الحزب حالياً المرتبة الثانية -في المرتبة نفسها، أو يتفوق قليلاً على- الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يعاني حالياً، علماً بأن الحزب الوحيد الذي يتقدم عليه هو الحزب المسيحي الديمقراطي، حزب المستشارة أنجيلا ميركل.
لكن الأمور قد تزاد سوءاً في الأسابيع المقبلة. ففي الانتخابات الإقليمية في بافاريا في 14 تشرين الأول (أكتوبر)، وفي هيسه بعد ذلك بأسبوعين، من المتوقع أن يدخُل حزب البديل من أجل ألمانيا آخر برلمانيين إقليميين لم يكن فيهما حتى الآن تمثيل من أقصى اليمين.
تستمر المخاوف المتعلقة بالهجرة في التسبب بهذا الصعود. ففي مدينة تشمنيتز بألمانيا الشرقية، تذكرنا أعمال الشغب الأخيرة المعادية للأجانب والمسيرات المؤيدة للتسامح بالمدى الذي وصل إليه الانقسام بين الألمان فيما يتعلق بالهجرة.
لكن النظر إلى حزب البديل من أجل ألمانيا على أنه حزب معاد للأجانب وصاحب قضية واحدة ينم عن سوء تقدير خطير. فقد كان حزب البديل من أجل ألمانيا دائماً عبارة عن حرباء سياسية؛ حيث يستغل بذكاء القضايا التي تدار بشكل سيئ. وقد بدأ قوس الغضب هذا خلال أزمة اليورو واستمر من خلال الهجرة بعد صيف العام 2015، وتم مؤخراً اكتشاف الاندماج والإسلام كقضايا خلافية من أجل تعزيز الدعم. وفي كل مناسبة، عمل الحزب على تعزيز شعبيته. والآن يبدو أن لديه هدفاً آخر هو الاقتصادات الليبرالية والاشتراكية العرقية المبتذلة.
هذا التحول لقضايا العدالة الاجتماعية يخالف التوقعات المتعلقة بحزب البديل من أجل ألمانيا، الذي ولد سنة 2013 كحزب للأستاذة الجامعيين المنتقدين لمنطقة اليورو، والعديد منهم كانوا من الليبرالين الاقتصاديين. وما تزال الليبرالية الجديدة جزءاً من فكر الذين جاؤوا بعدهم. وحتى الآن، تروج البيانات الرسمية للحزب للتجارة الحرة وزيادة المنافسة وتخفيض معدل الضرائب والتقشف في جنوب أوروبا.
لكن من غير المرجح أن يمهد ما كان يؤمن به حزب الأساتذة الجامعيون في السابق الطريق لحزب البديل من أجل ألمانيا للوصول إلى السلطة. فبالنسبة للعديد من الناخبين من أصحاب الياقات الزرقاء، وخاصة في ألمانيا الشرقية، ما تزال الليبرالية الجديدة غير مقبولة تماماً. وقد بدأت قيادة حزب البديل من أجل ألمانيا الإقرار بذلك مؤخراً بالتخلي عن الفكر المؤيد للشركات التجارية الذي كان يتستر به الحزب، وأصبح الهدف هو ترسيخ سمعة حزب "البديل" كحزب جديد للجماهيير، والذي يمكن أن يشكل تهديداً قاتلاً لما تبقى من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بالإضافة إلى النظام السياسي الألماني بشكل عام.
تعكس حملة حزب البديل من أجل ألمانيا في بافاريا وهيسه هذا التغيير بالفعل. وتهدف الدعوة إلى رواتب تقاعدية أعلى وتحسين الخدمات الطبية في المناطق الريفية وانتقاد الإيجارات المرتفعة إلى "أن تكون اجتماعياً من دون أن تتحول إلى اللون الأحمر"، وهو أحد شعارات الحملة الانتخابية للحزب. وقد أعلن قائد حزب البديل من أجل ألمانيا في براندينبيرخ، أندرياس كالبيتز، مؤخراً، أن الحزب يخطط للتركيز على "العدالة الاجتماعية" في الانتخابات المقبلة في ثلاث ولايات ألمانية شرقية في العام المقبل.
القوى الدافعة لأن يكون حزب البديل من أجل ألمانيا أكثر اشتراكية موجودة في شرق ألمانيا التي دعا فيها قادة الحزب المتحمسين، مثل بيورن هويكه من ثورنجيا، ومنذ أمد طويل لتأسيس حزب قائم على أساس الوطنية والتضامن. وبالنسبة للكثير من الناس، فإن هذا يشكل دعماً مبطناً للاشتراكية الوطنية. وقد وضع هويكه ويورغن بول، وهو عضو في البرلمان الألماني عن حزب البديل من أجل ألمانيا مؤخراً بعضاً من العناصر الرئيسية للبرنامج، بما في ذلك الرواتب التقاعدية الأعلى وإدخال أصحاب الأعمال الحرة في الصناديق التقاعدية التي تديرها الدولة، وهي سياسات تركز على أولئك الذين ينتمون إلى العرق الألماني.
سيعقد حزب البديل من أجل ألمانيا مؤتمراً خاصاً للحزب في وقت مبكر من العام المقبل من أجل الإعلان عن التغييرات في البرنامج بشكل رسمي، وإيجاد موقف موحد من القضايا الاجتماعية. والهدف الواضح، طبقاً لهويكه، هو الجمع بين "الهوية والتضامن" من أجل رفض "الليبرالية الجديدة وتاريخها من الفشل". وبينما يمكن توقع أن يثور جدل داخلي فيما يتعلق بهذا الموضوع، إلإ أنه يبدو أن لدى جناح هويكه الزخم اللازم في الوقت الحالي.
على المستوى الفيدرالي، من غير المرجح أن يحصل حزب البديل من أجل ألمانيا على الأغلبية طالما كان الاقتصاد الألماني مزدهراً. ولكن من شبه المؤكد أن يصبح وضع أحزاب أقصى اليمين أكثر قوة. وقد حقق دمج الخطاب المعادي للمؤسسة الحاكمة فيما يتعلق بالقضايا الثقافية والاقتصادية نجاحاً كبيراً للأحزاب الشعبوية اليمينية في أماكن أخرى. والسؤال الآن للعديد من المراقبين الألمان ليس ما إذا كانت هذه الصيغة ستنجح في ألمانيا، وإنما السؤال هو عن مدى نجاح تلك الصيغة.
تبدو استطلاعات الرأي غير مطمئنة. فطبقاً لدراسة نشرتها مؤخلاً مؤسسة بيرتيلسمان، وهي مركز أبحاث مستقل، يمكن أن تعمل قضايا مثل توزيع الثروة والسكن بأسعار مقعوله على مد الجسور بين أحزاب أقصى اليمين والناخبين في الوسط السياسي. وهناك حوالي 13 % من الألمان الذين يصنفون أنفسهم على أنهم من الوسط السياسي منفتحون على مواقف حزب البديل من أجل ألمانيا، طبقاً للدراسة نفسها.
نظراً لتلك الإمكانية، فإن الكثير سيعتمد على موقف الوسط الألماني. وإحدى الأفكار هي تقسيم العمل بين الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي من أجل نزع فتيل التحدي الحالي. وبإمكان الحزب المسيحي الديمقراطي إعادة جذب الناخبين من حزب البديل من أجل ألمانيا من خلال تعزيز مواقفه المحافظة المتعلقة بمسائل الثقافة والهوية. وعلى النقيض من ذلك، يمكن للحزب الاشتراكي الديمقراطي أن يتجه إلى اليسار فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية، من خلال تعزيز المساواة والتضامن والعدالة، مما يسد الفجوة الإيديولوجية التي تؤدي إلى تمكين حزب البديل من أجل ألمانيا.
لكن من الصعب على الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي عمل ذلك. فهما الآن في ائتلاف عريض لا يحظى بالشعبية، مما يعني أن إعادة التنظيم الأيديولوجي بهذه الطريقة قد تجعل من أمر إيجاد قواسم مشتركة ضمن الحكومة عملية أكثر صعوبة، مما قد يؤدي إلى إجراء انتخابات فيدرالية مبكرة. وستؤدي مثل هذا النتيجة فقط إلى تعزيز حزب البديل من أجل ألمانيا.

*رئيس قسم السياسة الدولية في مؤسسة فريدريش إيبرت شتيفتونغ، وهي مؤسسة فكرية تابعة للحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق