ماجد توبة

النواب وأزمة منتصف العمر!

تم نشره في الأحد 14 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:05 مـساءً

بانطلاق الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة يوم أمس، يدشن مجلس النواب الحالي النصف الثاني من عمره الذي يمتد دستوريا لأربع سنوات، وسط محاولات محمومة، لكن غير فاعلة أو منتجة حتى الآن، لاستعادة الثقة الشعبية بالمؤسسة النيابية والخروج من أزمة عدم الثقة التي تراكمت مفاعيلها على مدى سنوات.
طبعا أزمة غياب الثقة الشعبية تبدو أكثر وضوحا وعمقا تجاه المؤسسة الحكومية، ورغم ارتفاع وتحسن مؤشر الثقة الذي رافق قدوم الدكتور عمر الرزاز الى رئاسة الوزراء قبل نحو أربعة أشهر، قبل أن يعود هذا المؤشر إلى الانحدار لنعود الى مربع الأزمة ذاته.
تتفاقم أزمة فقدان الثقة بالسلطتين التنفيذية والتشريعية مع تزايد صعوبة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للناس، ومع استمرار النهج الاقتصادي الرسمي، بجبائيته القاسية دون تقديم حلول تنموية حقيقية وملموسة، وهي ظروف وأسباب تنضاف إلى الأسباب الرئيسية الأخرى لتعمق غياب الثقة، من غياب الإصلاح السياسي الحقيقي الذي يشرك الناس بعملية صناعة القرار وفق قوانين وآليات ديمقراطية حقيقية تثق بالناس ولا تعمل على إعادة انتاج عملية سياسية مشوهة ترسخ الأزمة وتفاقها.
انطلاق الدورة العادية لمجلس النواب يترافق مع عودة واضحة لسلسلة إضرابات واحتجاجات عمالية وحقوقية، دشنها عمال وموظفو البلديات ومهندسو وزارة التربية والمهندسون الزراعيون بأمانة عمان وغيرهم، وهي سلسلة مرشحة للتوالد والاتساع في ظل عدم القدرة الحكومية على الاستجابة السريعة للكثير من المطالب المالية والحقوقية للقطاعات المختلفة، تجنبا لمفاقمة أزمة العجز بالموازنة وخشية من تشجيع عاملين بقطاعات عامة اخرى على التحرك للاحتجاج والضغط لتحصيل مطالب ومكتسبات مالية وحقوقية. 
هذه التحركات العمالية والمطلبية ستجد تفاعلها بلا شك لدى النواب فارضة تحدياتها عليهم وعلى صورتهم الشعبية، وهي تحركات ستنضاف أيضا إلى جدول أعمال الدورة العادية المثقل بمشاريع قوانين مهمة وحساسة شعبيا، ويتصدرها قانونا ضريبة الدخل والموازنة العامة للدولة للعام المقبل، وهما قانونان لهما علاقة مباشرة بالوضع المعيشي والاقتصادي للمواطنين، وتترتب عليهما آثار معيشية ومالية مباشرة وغير مباشرة على حياة الناس، على الأقل خلال العام المقبل.
اذا؛ من المتوقع أن تتجه أزمة الثقة بين المؤسستين النيابية والحكومية إلى مزيد من الامتحان والاختبار في الفترة المقبلة، ما يفرض عليهما ضرورة الارتقاء لمستوى التحدي، ليس بالخطاب المنمق والوعود التي لا تجدي بمواجهة التردي المعيشي والاقتصادي، بل عبر خطوات ملموسة وحقيقية تحدث تغييرا واضحا لدى الناس، او على الأقل توقف الانحدار الحاصل بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتعزز الثقة لديهم بمستقبلهم.
الامتحان الأول أمام النواب سيكون مشروع قانون الضريبة، حيث المطلوب شعبيا تعديله باتجاه حماية الطبقتين الوسطى ومحدودة الدخل، والحد من تأثيراته السلبية على القطاعات الانتاجية. كما ستكون العين مفتوحة شعبيا أيضا على إقرار مشروع قانون الموازنة العامة للدولة للعام المقبل، حيث المطلوب من النواب تدقيقا وحرصا على خفض النفقات العامة بما لا يضر بالخدمات العامة، وكذلك الحرص على عدم زيادة الإيرادات العامة عبر مزيد من الضرائب والرسوم ونهج الجباية المعتاد.
كما لن تغيب الاحتجاجات العمالية والحقوقية والمطالبات القطاعية المختلفة بتحسين أوضاع العمال والموظفين بغير مؤسسة ووزارة وقطاع عن التحدي المطروح على النواب، الذين عليهم تقديم مقاربات دقيقة لنزع فتيل مثل هذه الأزمات بما يلحظ مشكلة الموازنة العامة للدولة وبما يستجيب أيضا لحاجات العاملين بهذه القطاعات من تحسين أوضاع وامتيازات تمكنهم من مواجهة الأعباء المعيشية المتراكمة.
معركة استعادة الثقة بالمؤسسة النيابية ليست مهمة أو مشكلة مجلس النواب وحده بلا شك، بل هي مشكلة الدولة بمختلف مؤسساتها، لكن الدور الأساس فيها اليوم يقع على النواب انفسهم، الذين دخلوا أزمة "منتصف العمر" إن أرادوا اختتام العامين المتبقيين لهم بنجاح.. أو بأقل الخسائر الشعبية على الأقل!

التعليق