خديعة "لا شريك" فلسطيني

تم نشره في الثلاثاء 16 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً
  • شبان يسعفون متظاهرة فلسطينية اصيبت بمواجهات مع الاحتلال في غزة اول من امس.-(ا ف ب)

هآرتس

ديمتري شومسكي  16/10/2018


رئيس تحرير صحيفة هآرتس، ألوف بن، أشعل مؤخرا نقاشا جريئا عندما تساءل فيما إذا كان على مؤيدي تقسيم البلاد، أن يغفروا لنتنياهو قضايا الفساد الذي تورط به كما يبدو، في حال استجاب لخطة السلام الغامضة لدونالد ترامب وتقدم نحو حل الدولتين (هآرتس 27 أيلول). ولكن إلى جانب سؤال افتراضي بخصوص المستقبل المقدر، وربما المتخيل فإن مقال بن يحتوي على مقولة قاطعة بخصوص الماضي غير البعيد، والتي هي أيضا تستحق النقاش.
بالمناسبة باعتبارها حقيقة معروفة يشير بن في مقاله بأن "اقتراحات السلام لإيهود أولمرت وايهود باراك... رفضها الفلسطينيون في الماضي". أي ليس ثمة أي فرق بين مباحثات كامب ديفيد في 2000 وعملية انابوليس في العامين 2007 و2008. في انابوليس فقط صودق مرة أخرى على فرضية "لا شريك"، التي قالها ايهود باراك ،ولكن هذا القول بعيد عن أن يكون دقيقا. بالعكس يجب الافتراض أن المؤرخين ثاقبي النظر لتاريخ دولة إسرائيل في مطلع القرن الـ 20 والـ 21، سيلاحظون العديد من الفروق الجوهرية بين هذين الحدثين.
الفرق الأول البارز هو في صورة القيادة الفلسطينية والإسرائيلية. في المفاوضات في كامب ديفيد مثّل الشعب الفلسطيني ياسر عرفات، الذي تمسك معظم حياته بنهج النضال المسلح ضد إسرائيل ووجد صعوبة في التخلي عنه تماما.
أمامه وقف ايهود باراك، والذي رغم انه خلع زيّه العسكري لم ينجح في التحرر من خليط التكبر والاشمئزاز تجاه الجانب الفلسطيني. وهكذا باراك عمل كما يبدو كل ما بوسعه من أجل بث علاقة اغتراب تجاه عرفات، وفي الوقت الذي توسل فيه الشخص المقرب منه داني ياتوم خلال القمة لكي يتصرف بصورة أكثر احتراما مع الزعيم الفلسطيني، تساءل باراك باستهزاء: "هل تظن انني لو قدمت له بوريكاس لكان بالإمكان حل المشاكل".
في انابوليس، بالمقابل وقف محمود عباس، الذي رفض بصورة واضحة نهج المقاومة العنيفة أمام ايهود أولمرت، الذي سار طريقا طويلا من ايدولوجية ارض إسرائيل الكاملة لليمين نحو الحسم بشان تقسيم البلاد. كما انه اظهر صبرا وابداعية غير عادية من اجل تطبيق هذا الحلم. ازاء هذا، خلق واقعا إنسانيا، لم يكن بالإمكان تخيله في كامب ديفيد، وبدونه لم يكن بالإمكان التقدم في أي مفاوضات، واساسه ثقة متبادلة بين كلا الزعيمين الامر الذي برز ثانيةً بصورة حقيقية مؤخرا، في لقاء أولمرت وعباس في باريس.
فرق آخر هو انه في حين ان العقبة الكأداء الرئيسية والتي بسببها فشلت محادثات كامب ديفيد كانت مسألة القدس، بالتحديد في هذا الموضوع الجوهري حدث في أنابوليس تقدم ملحوظ. باراك ارتعب من فكرة تقسيم القدس ولكن أولمرت بالتعاون مع حاييم رامون، طرح فكرة اصيلة وجريئة، والتي بمقتضاها يكون الحوض المقدس، بما فيه البلدة القديمة كمنطقة تحت وصاية خمس دول: الاردن، فلسطين، السعودية، إسرائيل والولايات المتحدة.
عباس حسب ادعائه قبل أسس اقتراح أولمرت بالرغم من انه احتج على ضم السكان الفلسطينيين من الطور وسلوان إلى البلدة القديمة، بصورة كانت ستجبرهم على العيش ليس تحت السيادة الفلسطينية.
الفرق الثالث والذي هو مهم جدا، هو انه في حين أنه من الواضح أن عملية كامب ديفيد انتهت بفشل ذريع (رغم محاولات الاصلاح المتأخرة جدا في طابا)، فإن عملية أنابوليس قطعت في ذروتها، بسبب ظروف خارجية، وعلى رأسها تزايد التهم بمخالفات رشوة ضد أولمرت، الامر الذي زاد التردد في الجانب الفلسطيني بسبب الخوف من انه لن يستطيع مواصلة قيادة العملية كما ينبغي.
خلافا للراي واسع الانتشار والمضلل، والذي كرره الوف بن فإن الفلسطينيين لم يرفضوا اقتراح أولمرت. بالعكس، لقد كان الاقتراح جذابا في نظرهم أكثر من اقتراحات سابقة لإسرائيل، ولهذا- كما كرر أولمرت نفسه منذ 2014- عباس لم يقل لا للمخطط. حقيقة ان أولمرت ليس ذا شعبية ولا يبعث على الثقة لدى الجمهور الإسرائيلي نظراً لقضايا الفساد التي بسببها أمضى عقوبة بالسجن، يجب الا تعمى أعيننا عن رؤية الامور كما هي: بالرغم من ان خلافات كبيرة بقيت كما هي، فإنه في السنوات 2007-2008 فإنهما سارا في الطريق الصحيح نحو السلام، والتي لم تستكمل بسبب مصادفة تاريخية.
يصعب المبالغة في حجم الضرر الذي وقع، ويواصل وقوعه على مستقبل كلا الشعبين. نفس الرواية الكاذبة التي تساوي بين كامب ديفيد وانابوليس، حيث انه بمساعدة هذا العرض والطرح العبثي، وخلافا للوقائع، تواصل إسرائيل التلويح بالرفض الفلسطيني الموهوم، من أجل تبرير توسيع الاستيطان وتخليد واقع الأبرتهايد، من خلال احباط تقسيم البلاد.
حقيقة أن ألوف بن، والذي ليس هنالك شك بالتزامه بفكرة تقسيم البلاد، يصادق بأقواله بصورة المفهوم ضمنا على اسطورة الرفض الفلسطيني في انابوليس، وهذا يدلل على درجة تسرب هذا الاختلاق الخيالي إلى الوعي الإسرائيلي، بما فيهم المؤيدين البارزين لبرنامج الدولتين.
بعد حوالي العقد منذ عملية انابوليس، حان الوقت لوضع حد لهذه الخديعة. يجب القول بالفم الملآن وفي كل مناسبة، انهم طوال العقد الاخير يقومون بتضليل الجمهور الإسرائيلي، من خلال جهد تهكمي لمحو انجازات العملية السياسية التي قادها أولمرت وعباس. من المهم معرفة ان الطريق الصعب لحل الدولتين والذي توقف الإسرائيليون والفلسطينيون في ذروته، مازال مفتوحا وينتظر المواصلة.
على مؤيدي تقسيم البلاد ان يستيقظوا وينفضوا عنهم اليأس ويطلقوا حملة جماهيرية من اجل محاربه خديعة (لا شريك) في سياق انابوليس، واعادة إسرائيل لتلك المرحلة المتقدمة نسبيا في المفاوضات والتي فيها فحص عباس اقتراح أولمرت ولم يعطِ رده عليه. وبالإمكان القول ان على "هآرتس" ومحررها ان يشاركوا في هذه الحملة ويلعبوا فيها دورا رئيساً.

التعليق