فهد الخيطان

جاهة "فيسبوكية"

تم نشره في الثلاثاء 16 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:08 مـساءً

أكثر من خمسة آلاف شكوى تلقتها وحدة الجرائم الإلكترونية في الأمن العام السنة الماضية وفق تصريحات صحفية لمدير الهيئة، غالبيتها من مواطنين وليس مسؤولين تعرضوا للتشهير والإساءة على مواقع التواصل الاجتماعي.
نسبة كبيرة من هذه الشكاوى، تحال إلى المحاكم المختصة، ومن يتابع قوائم التبليغات القضائية التي تنشرها الصحف يوميا، سيلاحظ أن عددا غير قليل منها مصنف تحت بند الجرائم الإلكترونية، ميدانها مواقع التواصل الاجتماعي. وأعتقد أنه في غضون سنوات قليلة سيفوق عدد قضايا "الفيسبوك" المرفوعة بالمحاكم سواها من القضايا المنظورة أمام القضاء.
يمثل هذا التحول تحديا كبيرا للمجتمع ولجهاز الادعاء العام والسلطة القضائية، ويتطلب تأهيل المزيد من الكوادر المختصة للنظر في هذا النوع من القضايا.
لكن على الصعيد الاجتماعي، أمست مثل هذه الشكاوى "الفيسبوكية" مصدرا من مصادر النزاع العشائري والأهلي. يوم أمس طالعتنا وسائل الإعلام بخبر جاهة عشائرية لطلب الصلح والصفح من عشيرة ثانية أساء أحد أفرادها لفتاة من عشيرة ثانية على موقع "الفيسبوك".
هذا الخبر يذكرنا بأن حرية النشر والتدوين في مجتمعاتنا ستبقى محكومة بنفس القيود والاعتبارت والقيم التي تنظم علاقاتنا المباشرة في الواقع. العالم الافتراضي لن يجعلنا خارج سلطة المجتمع وأحكامه، والمسألة نسبية بالطبع تختلف من مجتمع لآخر.
وفي السنوات الأخيرة شهدنا العديد من التوترات الاجتماعية بسبب تغريدات و"بوستات" على مواقع التواصل الاجتماعي، كادت أن تؤدي إلى أحداث خطيرة وجرائم حقيقية.
لقد كان الاعتقاد بأن التعبير والتدوين عبر منصات التواصل الاجتماعي، سيساعد في رفع سوية النقاش العام، وتأصيل قيم الحوار الديمقراطي بين الناس. لم نخسر الرهان كاملا على هذا الصعيد فقد حقق الحوار في الفضاء العام نتائج مهمة وإيجابية، لكنه كشف في المقابل عن أسوأ ما في موروثنا القيمي، وعجزنا الفادح عن التمييز بين الحق العام في النقاش والإساءة الشخصية، وتحطيم سمعة الآخرين، والميل لترويج الإشاعات مع معرفة مسبقة أحيانا بعدم صحتها، ناهيك عن تحوير النقاش ليغدو شخصيا ويدخل في الخصوصيات، دون وعي للعواقب الاجتماعية والقانونية المترتبة على ذلك.
ولا أتوقف هنا عند الاعتبارات القانونية على أهميتها، بل التبعات الاجتماعية الناجمة عن الإساءات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، وما يمكن أن تخلفه من مشكلات وتصدعات داخل العائلة الواحدة أو بين العشائر والمكونات الاجتماعية.
والأمر الآخر ما تعنيه محصلة تجربتنا في الحوار الافتراضي من تشخيص يفضي للاعتقاد بأننا مجتمعات ميؤوس منها، وغير قادرة على اللحاق بركب الأمم الديمقراطية والمتحضرة.
لسنا وحدنا يعاني من إشكالية عدم الالتزام بالمعايير الأخلاقية والقيمية لحوار التواصل الاجتماعي، مجتمعات كثيرة تعاني من هذه المشكلة. لكن في خصوصيتنا العربية، تصبح الثقافة السائدة عبئا على ما يفترض أن يكون قوة للتغيير، فنحمل العشيرة معنا للعالم الافتراضي وها نحن نستدعيها لتسوية خلافاتنا على "الفيسبوك". أوليس ذلك علامة أخرى على حدود التغيير الممكنة في ظل واقعنا الحالي وقيمنا السائدة؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مداخله... (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الأربعاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
    لا عجب؛ " كل إناء ينضح بما فيه " سواء أكان "فيسبوك" او رساله او ندوه او لقاء... ، ولكن يجب أن نركّز على الهدف او الفحوى... هل هي مصلحه عامه ؟ أم إنتقام شخصي؟؟؟؟