شعبوية إيطاليا القديمة الجديدة

تم نشره في الخميس 18 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً
  • مشاركون في احتجاج على تعديلات في قانون العمل الإيطالي في العام 2014 - (أرشيفية)

باولا سوباتشي*

كانبرا - تصدرت حكومة إيطاليا الائتلافية، المكوّنة من حركة الخمس نجوم المناهضة للمؤسسة، وحزب الرابطة اليميني المتطرف، عناوين الصحف في الآونة الأخيرة بسبب مشروع ميزانيتها الجديدة، الذي ينتهك قوانين الاتحاد الأوروبي. لكنها ليست أول حكومة إيطالية تقدم وعوداً مبالغاً فيها وتهدر مال العامة لتدفع لهم. وفي الحقيقة، إذا نظرنا في كل ما يقال وما يجري، فسنجد أن شعبوية إيطاليا الجديدة ليست جديدة على الإطلاق.
تتحدث الميزانية المقترحة للحكومة عن زيادة في الاقتراض لتمويل عجز نسبته 2.4 من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2019 والعامين التاليين. وعلى الرغم من عدم تخطي هذه النسبة للسقف المحدد من قبل الاتحاد الأوروبي لعجز الميزانيات، وهو 3 % من الناتج المحلي الإجمالي، فإنها تتجاوز بكثير النسبة التي اتفق عليها وزير المالية بشكل غير رسمي مع الاتحاد الأوروبي خلال الصيف، وهي 1.6 %.
لعل أقل ما يوصف به الإقدام على الزيادة المستهدفة لعجز ميزانية العام 2019 هو أنه تصرف طائش من دولة كإيطاليا، التي تعاني من مشاكل بنيوية عميقة ونمو هزيل مزمن. وبالتسبب في تفاقم الحالة السيئة مسبقاً التي آل إليها الوضع المالي الهش في إيطاليا، سوف يصبح المجال للتعديل والتكيف -حال حدوث صدمات مستقبلية- ضيقاً ومحدوداً بسبب ارتفاع العجز.
الآن، وصل إجمالي نسبة الدين السيادي الإيطالي بالفعل إلى أكثر من 130 % من ناتجها المحلي الإجمالي -وهي ثاني أعلى نسبة في الاتحاد الأوروبي (بعد اليونان). ويتطلب وضع الدولة على طريق يقودها نحو استدامة الدين العام زيادة فائضها الأولي (وهو الفرق بين صافي عوائد ونفقات مدفوعات الفائدة) إلى ما بين 3.5 % و4 % من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لبنك إيطاليا. ولكن، بدلاً من ذلك نجد أن الفائض الأولي يوشك على الهبوط إلى 1.3 % من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2019، منخفضاً من المستوى المتوقع لهذا العام وهو 1.9 %، مما يجعل تحقيق الخفض المخطط للدين صعباً، إن لم يكن مستحيلاً.
غالباً ما تتصادم الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأمد بشكل حتمي مع الأهداف السياسية قصيرة الأجل، خاصة عندما يتعلق الأمر بالشعبويين. وليس أمام أحزاب الائتلاف في إيطاليا سبيل للوفاء بوعودها الكبرى التي تعهدت بها خلال حملتها الانتخابية سوى زيادة الإنفاق اليوم.
فمع تعهد حركة الخمس نجوم بشكل ما من أشكال "الدخل الثابت للمواطنين" الفقراء، وتعهد حزب الرابطة بإجراء تخفيضات في الضرائب، يسعى كلاهما إلى إلغاء الإصلاح الذي أُدخل على نظام المعاشات في العام 2011، والذي أدى، بالتوازي مع إجراءات أخرى، إلى رفع سن التقاعد. وينظر حزب الرابطة إلى قضية الوفاء بوعوده الانتخابية باعتبارها أشد إلحاحاً، نظراً لحرصه على دعم تفوقه أمام حلفاء يمين الوسط السابقين -خاصة حزب سيلفيو برلسكوني "فورزا إيطاليا"- بل وأمام حركة الخمس نجوم قبل انتخابات البرلمان الأوروبي المقررة في العام القادم.
لا شك أن ائتلاف إيطاليا الحاكم يتفاعل، ولو جزئياً على الأقل، مع مخاوف حقيقية وجادة. فقد أدت الأزمة المالية العالمية وما تبعها من أزمة في منطقة اليورو إلى خفض هائل في مستوى المعيشة لكثير من الأسر، حتى بلغ عدد من يعيشون الآن في فقر مدقع نحو خمسة ملايين شخص. كما انحدر الدخل الحقيقي المتاح للفرد بدرجة كبيرة في الفترة ما بين العامين 2009 و2012، ليبقى حالياً دون مستويات ما قبل الأزمة، والتي كانت بالفعل أقل من المستويات السائدة قبل تبني إيطاليا عملة اليورو. ومع تمتع الأسر الأكبر سناً بدخل حقيقي (وكذلك ثروة) أعلى من تلك المستويات، فإن البيانات المجمعة تعجز عن وصف مدى القتامة التي آل إليها الوضع بالنسبة للأسر الأصغر سناً ومتوسطة العمر.
لكن الاكتفاء بتبديد عشرة مليارات يورو (أي ما يوازي 11.5 مليار دولار) على المشكلة لن يصلحها. "فالدخل الثابت للمواطنين" الذي تعهدت به حركة الخمس نجوم لن يكفي لانتشال الناس من الفقر، وقد يؤدي فعلياً إلى تفاقم محنتهم إلى حد صرف النظر عن نظام الرعاية الاجتماعية الممزق والموجه بشكل سيء، ناهيك عن الحاجة إلى إجراء إصلاحات بنيوية أوسع.
وفقاً لوضعها الفعلي، تتخلف إيطاليا عن الاقتصادات الأوروبية الكبرى الأخرى من نواحي الناتج، ومعدل التوظيف، ونمو الدخل، مع عجز الأجور عن مواكبة حتى المكاسب الإنتاجية المنخفضة للغاية. وبدلاً من تقديم علاج مؤقت، كان يجدر بالائتلاف الحاكم العمل لتعزيز تنافسية إيطاليا، التي قُوضت منذ الأزمة بفعل ضعف تعافي الصادرات الحقيقية وانخفاض الاستثمار، الذي يظل أقل بكثير من متوسط الاستثمار في منطقة اليورو، حيث يقف عند أقل من 9 % من الناتج المحلي الإجمالي.
بل إن من المستبعد أن يؤيد ناخبو حزب الرابطة أنفسهم برنامج الدخل الأساسي للمواطن، بسبب إدراكهم أنه قد يغذي نوعاً من ثقافة التواكل والاستحقاقية التي يعارضها كثير منهم. ويتواكب هذا مع بدء ظهور علامات الشقاق داخل الائتلاف.
حتى إشعار آخر، يبقى حزب الرابطة وحركة الخمس نجوم متحدين حول فكرة التصميم على الدفاع عن سيادة إيطاليا في مواجهة جهود الاتحاد الأوروبي لتقويضها. فبعد أسابيع في الجدال مع قادة أوروبا حول الهجرة، تعلن الحكومة الآن معارضتها لبنود معاهدة ماستريخت، في مسعى للحفاظ على الدعم الشعبي.
ولكن مرة أخرى تتعارض هنا المصالح السياسية قصيرة الأجل مع الضرورات الاقتصادية طويلة الأمد. ففي عالم حيث رؤوس الأموال تتدفق بسرعة عبر الحدود، لا تعد الأفكار المتزمتة المتعلقة بقضية السيادة غير ملائمة فحسب، وإنما خطيرة أيضاً، خاصة وأنها تؤجج المخاوف بين المستثمرين الدوليين. وكما تبين تجربة الأرجنتين بوضوح بالغ، يمكن أن يسفر عدم ثقة المستثمرين الدوليين في الحكومات الشعبوية عن اضطراب قوي: فمع سحب المستثمرين أموالهم، تصبح مسألة وقوع أزمة ديون سيادية نبوءة تتحقق ذاتياً.
على الرغم من عدم وصول إيطاليا إلى هذه المرحلة بعد، فقد ارتفعت العوائد منذ نهاية أيار (مايو) على السندات السيادية لأجل عشر سنوات بمقدار 210 نقطة أساس، ليصل الفارق بينها ونظيراتها الألمانية إلى أكثر من 270 نقطة أساس. كما باتت كل مكونات الأزمة حاضرة، ومنها: توقعات بنمو ضعيف، وموقف مالي سيئ ومتدهور، وقطاع مصرفي هش معرض للديون السيادية بدرجة كبيرة، إضافة إلى عدم وجود خطة ذات مصداقية للإصلاح البنيوي المطلوب.
في حال وصول هؤلاء الأعضاء في الحكومة الإيطالية المناصرين للخروج من منطقة اليورو إلى مبتغاهم، سيصبح الوضع أكثر تفجراً بسبب تفشي مظاهر زعزعة الاستقرار الاقتصادي، وتحطم الثقة. وعلى أي حال، كانت العضوية في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو هي القوة الرئيسة التي دفعت إيطاليا بعيداً عن النزعة قصيرة الأجل غير المسؤولة، وفي اتجاه نظام مالي أكبر.
تشير الشواهد التاريخية إلى أن ثقة الإيطاليين في الاتحاد الأوروبي كانت أكبر من ثقتهم بحكوماتهم. غير أنها ربما لم تعد كذلك، بمعنى تزايد مخاطر حدوث اندفاع أشد نحو الخروج من الاتحاد. ولكن، حتى لو بقيت إيطاليا في منطقة اليورو، فمن المرجح أن يتصرف الائتلاف الحاكم كأسلافه إلى حد كبير. وقد يكون الشيء الوحيد الجديد هذه المرة هو مدى الضرر الذي سيسببه هذا الائتلاف.

*زميلة رفيعة في "تشاثام هاوس"، وأستاذ زائر في جامعة بولونيا. آخر مؤلفاتها، كتاب "أموال الشعب: كيف تقوم الصين ببناء عملة عالمية".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق