هل كانت هناك حضارة على الأرض قبل البشر؟.. نظرة في الأدلة المتاحة

تم نشره في الخميس 18 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الجمعة 19 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:10 صباحاً
  • صورة افتراضية توضح الفرق بين جمجمة الإنسان العاقل "الهومو سابينز" وجمجمة البشر حالياً

آدم فرانك - (الأتلانتيك) 13/3/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

استغرق الأمر من غافِن شميدت خمس دقائق فقط لينقض تكهناتي. ويشغل شميدت وظيفة مدير معهد غودارد للدراسات الفضائية، (غيس)، التابع لوكالة ناسا. وهو مرفق من طراز عالمي لعلوم المناخ. وفي أحد الأيام في العام الماضي، ذهبتُ إلى (غيس) باقتراح طموح للغاية. ففي عملي كمتخصص في الفيزياء الفلكية، بدأتُ البحث في ظاهرة الاحتباس الحراري من "منظور أسترولوجي" (فلكي). وعنى ذلك السؤال عما إذا كانت أي حضارة صناعية تصعد في أي كوكب، سوف تطلق، من خلال نشاطها الخاص، نسختها الخاصة من تغير المناخ. وكنت أزور (غيس) في ذلك اليوم بأمل الحصول على بعض الاستبصارات والرؤى من وجهة نظر العلوم المناخية، وربما الحصول على متعاونين. وهكذا، انتهى بي المطاف في مكتب غافن. وتماماً بينما كنتُ أظن أنني أسرِّع خطواتي، أوقفني غافِن في مكاني.
"انتظر لحظة"، قال. "كيف تعرف أننا نمثل المرة الوحيدة التي وُجِدت بها حضارة على كوكبنا الخاص نفسه؟".
استغرقني الأمر بضع ثوانٍ لأستعيد جماع نفسي. من المؤكد أنني دخلت مكتب غافِن مستعداً للاندهاش والجدل لدى ذكر "الحضارات السابقة". لكن الحضارات التي يسأل عنها يجب أن تكون قد وجدت قبل ملايين السنين. وبينما أجلس هناك، وأنظر إلى تاريخ كوكب الأرض التطوري الهائل عبر تلسكوب أمام عيَن خيالي، أصابني نوعٌ من الدوار الزمني. "نعم"، قلت بصعوبة، "هل نستطيع أن نعرف ما إذا كانت هناك حضارات صناعية قامت على كوكب الأرض عميقاً في الزمن؟".
أطلقت تلك المحادثة الأولى بيني وبين غافِن دراسة جديدة نشرناها مؤخراً في "المجلة الدولية لعلم الأحياء الفلكي". ومع أن أياً منا لم يستطع أن يرى ذلك في لحظته، فقد فتح سؤال غافِن الثاقب نافذة -ليس على ماضي كوكب الأرض فحسب، وإنما على مستقبلنا أيضاً.
إننا معتادون على تخيل الحضارات المنقرضة من منظور التماثيل الغارقة والآثار الدفينة تحت الأرض. ولا بأس بهذه الأنواع من آثار المجتمعات السابقة إذا كنتَ مهتماً فقط بالمقاييس الزمنية لبضعة آلاف خلت من السنين. ولكن، بمجرد أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء لعشرات الملايين من السنوات، فإن الأمور تصبح أكثر تعقيداً.
عندما يأتي الأمر إلى الأدلة المباشرة على وجود حضارة صناعية -أشياء مثل المدن، والمصانع، والطرق- فإن السجلات الجيولوجية تعيدنا وراء، مروراً بما تدعى "الحقبة الرباعية" قبل 206 ملايين سنة. وعلى سبيل المثال، يقع أقدم امتداد واسع النطاق من سطح الأرض القديم في صحراء النقب. وعمر هذا الامتداد مجرد 1.8 مليون سنة "فقط" -وتُرى السطو الأقدم عمراً على الأغلب في مقطع عرضي في شيء مثل واجهة منحدر صخري أو قطوعات في الصخور. وإذا عدنا في الزمن أبعد كثيراً من الحقبة الرباعية، فسنجد أن كل شيء قد انقلب وانسحق إلى غبار.
إذا عدنا في زمن إلى هذا الحد، فإننا لا نعود نتحدث عن حضارات بشرية. لم يظهر جنس الإنسان العاقل "الهومو سابينز" على الكوكب حتى 300.000 عام أو نحو ذلك من الآن. ويعني ذلك أن يتحول السؤال إلى أجناس أخرى، وهو السبب في أن غافِن أطلق على الفكرة اسم "الفرضية السليورية"، مستعيراً اسم الحلقات التلفزيونية البريطانية من سلسلة "الدكتور مَن" عن الزواحف الذكية.
وإذن، هل يستطيع الباحثون العثور على دليل واضح على أن أجناساً قديمة بنت حضارة صناعية قصيرة العمر نسبياً قبل وقت طويل من حضارتنا نحن؟ ربما، على سبيل المثال، تكون ثدييات مبكرة قد ارتقت لفترة وجيزة إلى بناء حضارة خلال الحقبة الباليوسينية قبل نحو 60 مليون عام. وهناك أحافير، بطبيعة الحال. لكن جزء الحياة الذي يصبح أحفوراً يكون دائماً صغيراً جداً ويتنوع كثيراً اعتماداً على الزمن والموئل. وبذلك، سيكون من السهل عدم ملاحظة حضارة صناعية دامت 100.000 عام فقط -والتي سيكون عمرها أطول بـ500 مرة مما قطعته حضارتنا الصناعية حتى الآن.
ولكن، بالنظر إلى أن كل الأدلة المباشرة ستكون قد ذهبت منذ وقت طويل بعد مرور ملايين عدة من السنين، فأي نوع من الأدلة هي التي يمكن أن تظل موجودة؟ لعل أفضل طريقة لإجابة هذا السؤال هي تقدير أي أدلة هي التي يمكن أن نتركها نحن خلفنا إذا ما انهارت الحضارة البشرية في مرحلتها الراهنة من التطور.
الآن وقد أصبحت حضارتنا الصناعية عالمية حقاً، فإن نشاط البشرية الجمعي يرسي مجموعة متنوعة من الآثار التي يمكن أن يتعقبها العلماء بعد 100 مليون سنة في المستقبل. ويساعد الاستخدام الكثيف للأسمدة، على سبيل المثال، في إطعام نحو 7 ملايين شخص، لكنه يعني أيضاً أننا نعيد توجيه تدفقات الكوكب من النيتروجين إلى إنتاج الغذاء. ويجب أن يرى علماء المستقبل هذا التحول في خصائص النيتروجين التي تظهر في الرواسب المتبقية من عصرنا. وكذلك حال جوعنا الذي لا يهدأ لعناصر الأرض النادرة التي تُستخدم في تصنيع الأدوات الإلكترونية. وهناك الآن قدر من هذه الذرات التي تتجول حول سطح الكوكب بسببنا أكبر بكثير مما كان الأمر ليكون عليه بخلاف ذلك. ويمكن أن تظهر هذه الذرات أيضاً في رواسب المستقبل. وحتى ابتكارنا واستخدامنا للمنشطات الاصطناعية أصبح الآن منتشراً إلى درجة أنه قد يكون قابلاً للاكتشاف في الطبقات الجيوليوجية بعد 10 ملايين عام من الآن.
ثم هناك كل هذا البلاستيك. وقد أظهرت الدراسات أنه يتم إلقاء مقادير متزايدة من "القمامة البحرية" للبلاستيك في قيعان البحار في كل مكان، من المناطق الساحلية إلى الأحواض العميقة، وحتى في القطب الشمالي. وتقوم الريح والشمس والأمواج بطحن الآثار البلاستيكية على نطاق هائل، تاركة البحار مليئة بالجزيئات البلاستيكية المجهرية التي ستهبط في نهاية المطاف إلى قاع المحيط، خالقة طبقة ربما تكون الأكثر ديمومة بين كل المقاييس الزمنية الجيولوجية.
السؤال الكبير هو: كم طول المدة التي ستدومها هذه الآثار هذه الآثار التي تتركها حضارتنا. في دراستنا، وجدنا أن كلاً منها ينطوي على إمكانية البقاء ليكون من الرواسب المستقبلية. ومع ذلك، وفيما ينطوي على مفارقة، فإن أكثر مؤشر واعد على وجود البشرية كحضارة متقدمة هو ناتج عرَضي لنشاط واحد، والذي ربما يهددها أكثر ما يكون.
عندنا نقوم بإحراق الوقود الأحفوري، فإننا نعيد إطلاق الكربون إلى الغلاف الجوي الذي كان ذات مرة جزءاً من الأنسجة الحية. وهذا الكربون القديم منضب، يتخذ شكل واحد من تنويعات هذا العنصر الثلاثة الطبيعية -أو النظائر. وكلما زادت أنواع الوقود الأحفوري التي نقوم بإحراقها، تغير ميزان نظائر الكربون هذه في الجو. ويسمي علماء الغلاف الجوي هذا التحول "تأثير سويس"، ومن السهل رؤية التغيُّر في نسبة نظائر الكربون بسبب استخدام الوقود الأحفوري على مدى القرن الماضي. كما تترك الزيادات في درجات الحرارة أيضاً إشارات نظائرية. ويجب أن تكون هذه التحولات ظاهرة لأي عالِم مستقبلي يقوم بتحليل طبقات الصخور من عصرنا كيميائياً. وإلى جانب هذه الارتفاعات الملحوظة في نسب الكربون، ربما تحتفظ طبقة الأنثروبوسين أيضاً بآثار طفرات من وجود النيتروجين، وجزئيات البلاستيك النانوية، بل وحتى المنشطات الاصطناعية. وهكذا، إذا كان من المحتم أن تغادر حضارتنا إلى المستقبل، فهل ثمة احتمال لوجود نفس نوع هذه "الإشارات" الآن في الصخور، والتي تنتظر فقط لتخبرنا عن حضارات سالفة ذهبت منذ وقت طويل؟
قبل 56 مليون عام، مرت الأرض بحقبة شهدت الحد الحراري الباليوسيني-الإيوسيني الأقصى. وخلال تلك الحقبة، ارتفع متوسط حرارة الكوكب بما وصل إلى 15 درجة فرنهايت فوق ما نشهده اليوم. وكان ذلك عالَماً من دون ثلج تقريباً، عندما كانت درجات الحرارة المعتادة في الصيف في القطبين تصل إلى ما يقرب من 70 درجة فهرنهايت (21 مئوية تقريباً). ولدى النظر في السجل النظائري من الحقبة البالوسينية-الإيسونية تلك، يرى العلماء زيادات معدلات نظائر الكربون والأوكسجين بالطريقة نفسها التي نتوقع أن نشهدها في سجل الأنثروبوسين. وهناك أحداث أخرى أيضاً مثل حقبة الحد الحراري الأقصى البالوسيني-الإيوسيني في تاريخ الأرض، والتي تكشف عن آثار مثل إشاراتنا الأنثروسينية المفترضة. ومن هذه الأحداث واحد حدث بعد بضع ملايين من السنين من حقبة الحرارة القصوى للحقبة البالوسينية-الإيسونية، والذي يسمى "الطبقات الإيوسينية ذات الأصل الغامض"، بالإضافة إلى أحداث كبيرة في العصر الطباشيري، والتي تركت المحيط بلا أوكسجين لعدة آلاف من السنين (أو حتى لفترة أطول).
هل تكون هذه الأحداث مؤشرات على حضارات صناعية قبل-بشرية سابقة؟ إنها ليست كذلك بالتأكيد. ففي حين أن هناك أدلة على أن حقبة الارتفاع الحراري البالوسيني-الإيوسيني ربما تكون قد نجمت عن إطلاق هائل للكربون الأحفوري المدفون إلى الهواء، فإن الإطار الزمني لهذه التغييرات هو الذي يهم. وقد حدثت طفرات نظائر حقبة الارتفاع الحراري البالوسيني-الإيوسيني وانخفضت على مدى مئات الألاف من السنين. لكن ما يجعل الأنثروبوسين رائعاً جداً في تاريخ الأرض هو السرعة التي نلقي بها نحن بالكربون الأحفوري في الغلاف الجوي. وقد مرت حقب تاريخية حين كانت نِسب ثاني أوكسيد الكربون في كوكب الأرض بنفس ارتفاعها اليوم -أو أعلى، ولكن لم يسبق أبداً في كل تاريخ الكوكب الممتد لبلايين السنين أن تم قذف هذا القدر الكبير من الكربون المدفون مرة أخرى في الغلاف الجوي بهذه السرعة. وبذلك، قد لا تكون الارتفاعات النظائرية التي نراها في السجل الجيولوجي مرتفعة بما يكفي لتفي بمعايير الفرضية السوليريانية.
لكن ثمة لغزاً هنا. إذا كان النشاط الصناعي لجنس سابق قصير العمر، فإننا ربما لا نستطيع أن نراه. وترينا ارتفاعات الذروة الحرارية البالوسينية-الإيوسينية أكثر ما يكون طبيعة الأطر الزمنة للاستجابة لأي شيء تسبب بها، وليس بالضرورة الإطار الزمني للسبب نفسه. ولذلك، ربما يتطلب الأمر استخدام أساليب اكتشاف مثابِرة وابتكارية للعثور على آثار حادث قصير العمر في الرواسب القديمة. وبعبارات أخرى، إذا لم تكن تبحث عن تلك الآثار بوضوح، فإنك قد لا تراها. وربما كان هذا الإدراك هو الاستنتاج الأبرز لدراستنا.
ليس الأمر دائماً أنك تكتب ورقة بحث تقترح فرضية، والتي لا تقوم بدعمها. ولا نعتقد، غافِن وأنا، أن الأرض استضافت ذات يوم حضارة باليوسينية بعمر 50 مليون عام. ولكن، بالتساؤل عما إذا كان بوسعنا أن "نرى" حقاً حضارات صناعية قديمة في تاريخ الكوكب، اضطررنا إلى التساؤل عن الأنواع الإحيائية من آثار أي حضارة ربما كانت لدينا على الكوكب. وهذا بالضبط هو كل ما يدور المنظور الفلكي-البيولوجي للتغير المناخي حوله. ويعني بناء حضارة ضرورة حصاد الطاقة من الكوكب لإنجاز العمل (أي عمل بناء الحضارة). وبمجرد أن تصل الحضارة حقاً إلى مستويات كوكبية، يجب أن تكون هناك تغذية راجعة ما حول الأنظمة الكوكبية مجتمعة، والتي تعطيه الحياة (الهواء، الماء، الصخور). وسوف يكون هذا صحيحاً بشكل خاص في حالة الحضارات الشابة مثل حضارتنا، والتي ما تزال تصعد سلم القدرة التقنية. وبعبارات أخرى، لا يوجد أي شيء مجاني. وفي حين أن بعض مصادر الطاقة سيكون لها أثر أقل -مثل الطاقة الشمسية في مقابل أنواع الوقود الأحفوري، مثلاً- فإنك لا تستطيع أن تمول حضارة عالمية بالطاقة من دون درجة ما من التأثير على الكوكب.
ما إن تدركَ، من خلال التغير المناخي، الحاجة إلى العثور على مصادر طاقة أقل تأثيراً، فسوف يقل التأثير الذي ستتركه والأثر الذي سيتخلف عنه. وهكذا، كلما أصبحت حضارتك أكثر قابلية للاستدامة، قلَّت الإشارات التي ستتركها لأجيالك المستقبلية.
بالإضافة إلى ذلك، فتح عملنا أيضاً إمكانية التكهن بأن بعض الكواكب ربما شهدت دورات مدفوعة بالوقود الأحفوري من بناء الحضارة وانهيارها. وإذا استخدمت حضارة أنواع الوقود الأحفوري، فإن التغير المناخي الذي تتسبب به يمكن أن يتسبب بانخفاض كبير في مستويات الأوكسجين في المحيط. وتساعد هذه المستويات المنخفضة من الأكسجين (التي تسمى أنوكسيا المحيط) على إطلاق الظروف اللازمة لتكوُّن أنواع الوقود الأحفوري، مثل النفط والفحم، في المقام الأول. وبهذه الطريقة، ربما يزرع صعود حضارة وأفولها البذور لصعود حضارة جديدة في المستقبل.
بتساؤلنا عن الحضارات المفقودة في الزمن السحيق، نتساءل عن إمكانية وجود قواعد كونية ترشد تطور كل المحيطات الحيوية بكل إمكانيتها الخلاقة، بما في ذلك ظهور الحضارات. وحتى من دون أبناء الحقبة الباليوسينية الذين يقودون الشاحنات الصغيرة، فإننا نتعلم الآن فقط أن نرى كم يمكن أن تكون هذه الإمكانيات ثرية.

نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
Was There a Civilization On Earth Before Humans?

التعليق