بين السياسة والدين

تم نشره في الخميس 18 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:10 مـساءً

د. هاشم غرايبة

عندما أنزل الله الدين على البشر، كان مقصده إسعادهم وإصلاح أحوالهم، وكما يرفق صانع الآلة معها كتيبا فيه تعليمات الاستعمال وتشخيص الأعطال وطرق الصيانة، فقد أنزل كتابه الكريم ليبقى مرجعا دائما لأعقد آلة في الكون وهي الكائن البشري.
قد تتطور معارف الإنسان وسبل معيشته، لكن تركيبه ووظائف أعضائه لا تتغير ولا تتطور، لذلك فكتاب تعليمات التشغيل والصيانة ثابت لا يتعدل، لأنه شامل لكل الاحتياجات على مدى العصور القادمة، لكنه يحتوي في صياغته اللغوية على أمور يفهمها البشر أولا بأول حسب تطور أفهامهم.
لما كان الإنسان مدنيا بطبعه، ولا يستغني عن التعاون مع غيره، فقد انتظم البشر في مجتمعات، ولكي يضمنوا حقوق الجميع تحولوا من القبلية إلى الدولة، وابتدعوا أسس إدارتها، لاختيار السلطة الكفؤة، فكانت السياسة هي الوسيلة للاستحواذ على السلطة.
منذ البداية حدث الصدام بين الدين الذي يضبط الأطماع والاستئثار بالمغانم، ويحمي الضعفاء والمظلومين، وبين رجال السياسة التي يقوم مبدأها على التنافس على الوصول الى كرسي السلطة أولا، وعلى دوام احتكاره ثانيا، لأن مغانمه مغرية وجاهُهُ عريض.
ولما كان الدين منهجا إلهيا ثابتا، والسياسة وسيلة بشرية متغيرة، فقد تميزت هذه العلاقة بالتجاذبات، ما بين المهادنة والمراوغة إن كان السياسي غير متمكن، والصدام والمغالبة إن كان السلطان متمكنا فارضا لسلطته.
في الحالة الأوروبية كانت المعايير مختلة، فالكنيسة تحولت من الديني الى السياسي، بعد أن نجحت بتعديل المسيحية لتصبح مؤسسة حكم مواز لحكم السلطة السياسية، لذلك كانت العلاقة بين سلطتين علاقة مكاسرة، انتهت بخسارة الكنيسة لسلطتها السياسية، مثلما خسرت الدينية عندما تخلت عنها رضوخا لشعار فصل الدين عن السياسة.
في المنطقة الإسلامية كان الأمر مختلفا، فليس هنالك مؤسسة دينية يحاربها السياسيون، لذلك بطل مفعول السلاح الفتاك (العلمانية)، فلم ينفع الساسة ما نفع مع الكنيسة الأوروبية، فما يقف في وجه استحواذهم ليست سلطة مادية، بل مبادئ مدونة في القرآن الذي لا يمكن تعديله ولا تطويعه.
لذلك كان صراعهم مع المبادئ، وانصب الجهد على وسيلتين: قمع من يحملون الفكر الديني، أو شراء ذممهم.
ولما كان الصراع مع فكر وليس مع مصالح، فقد ظل قائما طوال العصور، سواء كان مسمى الدولة إسلامية أو علمانية، وأخذ مناحي شتى، من قمع وتنكيل، إلى حصار ومطاردة، إلى اجتباء وتقريب، لكن أخطر الأسلحة كان اختراق الفقه الإسلامي، إذ كان الحكام يجدون من بين العلماء من يؤلفون قلوبهم حولهم بالمال والجاه لكي ينقبوا عن أحاديث ضعيفة أو يضعوها، تجعل الولاء للسلطان متطلبا إيمانيا، والرضوخ لتسلطه مبدأ شرعياً.
هكذا خدم شيوخ السلاطين ساسة المسلمين، أكثر مما خدم رجال الكنيسة ساسة أوروبا، فلم يُحيدوا الدين فقط ويلجموه عن مقارعة أصحاب المطامع، بل دجنوه لخدمة مآربهم.
لذلك نجد أن هؤلاء الشيوخ نالوا الدعم الجزيل والرعاية السخية من الساسة، وبهذه الأعطيات الوفيرة تمكنوا من تجنيد أتباع لهم كثر، ينتشرون في كافة أقطار العالم الإسلامي، حتى لا تجد بقعة خالية من هؤلاء الذين يتدثرون بأردية السلفية، ويوهمون الناس بمظاهرهم أنهم من أتباع فكر السلف الصالح، لكنهم في الحقيقة لا يتبعونهم إلا بالمظاهر الخارجية الخادعة.
يمكن تمييز هؤلاء عن السلفيين العلميين من خلال أفكارهم والتي تتلخص في المبادئ التالية:
أنهم يركزون على السلوكيات المظهرية، والتدين الفردي، ولا يدعون الى جوهر الدين ومبتغاه.
ينتقون من القرآن ما يعجبهم ويرفضون ما لا يتوافق مع أهدافهم، فهم يعتبرون حديث "ولو جلد ظهرك" ملغيا لحكم الله: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول.."، الذي يشترط لطاعة المسلمين لولي الأمر أن يكون منهم ولا يفرض عليهم من غيرهم.
يبررون للحاكم الدخول مع أعداء الله في أحلاف لقتال المسلمين، رغم مخالفة ذلك لأمر الله بعدم موالاتهم.
لذا يشتبه بارتباطهم بأعداء الإسلام.
يُكفرون من يطالب الحاكم بالإلتزام بالحكم بما أنزل الله، باعتبار ذلك خروجا عليه.
هكذا نجد كيف تمكن المستبدون من توظيف بعض متلبسي الدين للتغطية على شرورهم، بدل أن يكون الدين ضابطا لظلمهم.
ونتوصل الى حقيقة معاكسة لما يشيعه أنصار فصل الدين عن السياسة، فالساسة هم من يفسدون الدين ويبطلون مفعوله الضامن لحقوق المحكومين، فالأولى ليس ابعاد الدين عن السياسة، بل بجعله ضابطا للساسة، ملزما لهم بما شرعه الله، لأنه المانع الوحيد من الاستبداد والظلم ..وليست الرقابة الشعبية المزورة.

التعليق