"إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد"

تم نشره في الخميس 18 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

د. محمد المجالي

صلى عليك الله يا سيدي يا رسول الله، رمز التواضع البشري، يأبى لأي أحد أن يعامله كما الملوك والسادة، فتروي بعض كتب السنة أَنَّ رَجُلا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَخَذَهُ مِنَ الرِّعْدَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ"، أي أن هذا الرجل هاب الرسول، وهو حقا ذو هيبة عظيمة، فهوّن عليه وقال إنما أنا بشر عادي مثلكم، لا تعظموني ولا تخرجوني عن بشريتي، وأمّي امرأة من قريش، مثلها مثل باقي النساء، كانت تأكل القديد (اللحم المقطّع المجفف).
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنت ترسم بهذا الحديث منهج التواضع للشخص الذي قد يُنظَر إليه بهالة وهيبة، لئلا يرى نفسه على الناس، وكذا الناسُ أن لا يعظموا البشر فيخرجوهم عن طبيعتهم، فكلنا بشر عاديون، والمنهج القرآني في التفاضل هو: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، والناس لبعضهم، من كان في المسؤولية أو من عامة الناس، بغض النظر عن مستوياتهم الدنيوية، غنى وفقرا أو صحة وسقما، أو جمالا وقبحا، فهي دنيا، لا قيمة لها في ميزان الله تعالى، وهي ممر، والآخرة هي دار القرار.
تفكرت كثيرا وأنا أمر على أحداث الأمة ووجود الطواغيت قديما وحديثا، وتساءلت: هل هناك من صنع الطواغيت غير الناس الذين هم حولهم، فنفخوا فيهم العظمة!؟ لدرجة أن صدّق هؤلاء الممدوحون أنفسهم، فتعاظم شأنهم، وبطشوا بمن حولهم، إلى درجة أن قال فرعون يومها: "أنا ربكم الأعلى"، وقال: "ما علمت لكم من إله غيري"، ومثل هذه المقولات قالها ويقولها حكّام ومسؤولون وأغنياء ومتنفذون، مدحهم ومجَّدهم من هم حولهم، فتصرفوا وكأن أحدهم الملهم العظيم الذي لا يخطئ، ولا يجوز عليه الخطأ، بل قد تخطئ الأمة كلها إلا هو، ليتعاظم شأنه أكثر وأكثر، ويغيب الحق، ويسود الظلم، لأن أصحاب هذه الشخصيات غالبا أهل بطش، ويتبع البطشَ قهرٌ وظلم، وأنى لهذه المجتمعات أن تسود أو أن يعلو لها شأن.
لقد فهم الصحابة الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يكون التواضع، وما هو ميزان القيم الحقيقي، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصعد المنبر، فيحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول: أيها الناس، لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم فيقبضن لي القبضة من التمر والزبيب فأظل اليوم وأي يوم! (أي أنه يهين نفسه أمام الناس بوصف حاله من الرعي وقلة الزاد)، فيعاتبه عبد الرحمن بن عوف لأنه قصر بنفسه، فيرد قائلا: ويحك يا ابن عوف، إني خلوت فحدثتني نفسي فقالت: أنت أمير المؤمنين، فمن ذا أفضل منك؟ فأحببت أن أعرّفها نفسها!
وهو نفسه عمر بن الخطاب الفاروق، الخليفة العادل، يكتب إلى سعد بن أبي وقاص محذرا من الشهرة الزائفة فيقول له: "إياك أن تكون ممن يتابع السبل المعوجة طلبا لشهرة الندامة والحسرة، فتبيع دينك بدنيا غيرك، ويغرّك بالله الغرور، وتكون قد أخذتها من حرام ووضعتها في حرام، وتمتلئ نفسك بعد ذلك غرورا وكبرا ورياء وعجبا".
تطول الأمثلة لتواضع الخلفاء من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما استُخلف أصبح غدا إلى السُّوق، وكان من عادته أن يحلب للحي أغنامهم قبل الخلافة، فلمَّا بُويِعَ قالت جارية مِن الحي: الآن لا يحلب لنا، فقال: بلى، لأحلبنَّها لكم، وإنِّي لأرجو ألَّا يغيِّرني ما دخلت فيه، وكان يقول: (وددت أنِّي شعرة في جنب عبد مؤمن)، ليقولها عمر بن الخطاب فيما بعد: ليتني شعرة في صدر أبي بكر، وعن عروة بن الزُّبير رضي الله عنهما قال: (رأيت عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين! لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتتني الوفود سامعين مطيعين دَخَلَت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها)، وروي أن عثمان بن عفان كان يقيل في المسجد وهو يومئذ خليفة، ويقوم وأثر الحصى بجنبه، فنقول: هذا أمير المؤمنين، هذا أمير المؤمنين. ورُئِي على عليّ بن أبي طالب إزار مرقوع، فقيل له: تلبس المرقوع؟! فقال: يقتدي به المؤمن ويخشع به القلب، وأنَّه رضي الله عنه قد اشترى لحمًا بدرهم، فحمله في ملحفته، فقيل له: نحمل عنك يا أمير المؤمنين. فقال: لا، أبو العيال أحقُّ أن يَحْمل).
هذا هو الإسلام العظيم، وليست أمثلة التواضع متوقفة عند الصحابة، بل الأمر مستمر إلى أن يشاء الله تعالى، ولكنني أقف عند الطواغيت، من صنعهم؟ حين أخرجهم بعض الناس عن بشريتهم قديما وحديثا، فاعتقدوا فيهم الكمال، أسرفوا لهم في المديح، ونفخوا فيهم العظمة، فلا بد (وهم البشر) نظروا إلى غيرهم على أنهم عبيد، وكذا فعل فرعون قديما، استخف قومه فأطاعوه، قادهم إلى ذلك فسقهم وخروجهم عن المنهج السوي.
يؤكد الإسلام أن الدين النصيحة لله وفق كتابه وسنة نبيه، لأئمة المسلمين وعامتهم، وآيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحاديثهما وفيرة في القرآن والسنة، لترشدنا إلى أن نكون أمة حيّة قوية متعافية، والكيّس من الحكام من يسمح لغيره بأن ينتقده ويصوّبه، فالشعوب الحرة هي التي يُعتَمَد عليها، لا العبيد الذين يستشعرون الإهانة والنقص، فمجتمع العبيد لا يفكر بحرية فقد تعود على العبودية، وإن طمح إلى حرية فليس أبعد منها، ولا يفكر بنهضة ولا قوة ولا بشأن إنساني عام، أن يسود العدل وتتحرر إرادة وتسود الحرية عموما، لأن بها حياة الأمم والشعوب.

التعليق