معضلة الفم الإسرائيلي

تم نشره في الجمعة 19 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

هآرتس

تسفي بارئيل   19/10/2018

افتراض إسرائيل في مواجهاتها مع حماس والمنظمات الاخرى في غزة منذ بدء مسيرات العودة قبل أشهر كثيرة هو أن الطرفين ليسا معنيين بحرب، بل بالتسوية. ولكن عندما يكون أفق اعادة اعمار القطاع آخذ في الابتعاد، وبعد أن مد يحيى السنوار، زعيم حماس في غزة، يده لوقف إطلاق النار وتلقى لكمة، فان حماس من شأنها أن تفكر بأنه بامكانها تحقيق إنجازات عن طريق الحرب، أكثر مما تحقق عن طريق الاتصالات الطويلة وعديمة الجدوى مع إسرائيل. حيث أن اتفاق إعادة الاعمار الواعد جدا حققته حماس بالذات بعد عملية الجرف الصامد.
"إذا لم تتوقف هذه الهجمات فنحن سنوقفها. إسرائيل ستعمل بقوة شديدة"، تعهد هذا الأسبوع رئيس الحكومة نتنياهو بعد أن عقد جلسة لتقدير الوضع مع كبار قادة الامن. قال هذا الاسبوع وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، "لقد استنفدنا كل الامكانيات، ويجب علينا أن نوقع ضربة شديدة بحماس.
الافتراض الذي يرافق المواجهات مع حماس والمنظمات الاخرى في غزة منذ بدء مسيرات العودة في آذار هو أن إسرائيل وحماس ليستا معنيتين بحرب. فالطرفان يريدان "التهدئة"، أي وقف طويل المدى لإطلاق النار والذي ثمنه معروف: إسرائيل تسمح بإعادة اعمار الاقتصاد (وليس فقط مساعدة انسانية محدودة في غزة)، بحيث يتضمن اقامة ميناء ومنطقة صناعية في المنطقة المصرية. حماس من ناحيتها تتعهد بوقف المسيرات وإطلاق البالونات الحارقة وتتنازل عن الكفاح المسلح.
وقد أوضح يحيى السنوار، في مقابلة نشرت في "يديعوت احرونوت"، أنه "لا يوجد أي طرف معني بالحرب، الحرب لن تفيد أي أحد". أقوال السنوار لم تترك انطباعا خاصا لدى القيادة الإسرائيلية، لا سيما على خلفية استمرار المظاهرات على الجدار، وإطلاق البالونات والصواريخ ليلة أمس نحو إسرائيل.
إسرائيل سجنت نفسها في سجن البلاغة العدوانية، التي تحاول نقل القرار إلى ملعب حماس. إذا سيطرت حماس على المظاهرات فسترى إسرائيل في ذلك اشارة على استعدادها لمواصلة التسوية. وإذا استمر إطلاق الصواريخ والمظاهرات ولدت المزيد من المواجهات فهذه اشارة على أن حماس تريد اجبار إسرائيل على التنازل، أو شن حرب. هذه معادلة ليست واقعية تضع منذ اسابيع طرفا واحدا فقط في الاختبار، ولا تطلب من إسرائيل أن تتوقف هي نفسها عن إطلاق النار على المتظاهرين، الذي يغذي بنفسه المزيد من المظاهرات.
الوضع الذي فيه الطرفان أجريا مفاوضات غير مباشرة بوساطة مصر من أجل اجمال تفاصيل التسوية، تحول إلى مفاوضات علنية على رسم العتبة التي منها لن يكون هناك طريق للعودة إلى القتال. ميزان التهديدات هذا يناقض الافتراض الذي يقول إنه لا يوجد أي طرف معني بالحرب. في ظل غياب التقدم في المفاوضات على التسوية – حيث أفق اعادة اعمار غزة يبتعد، وبعد أن مد السنوار يده لوقف إطلاق النار وتلقى لكمة.
على الرغم من حقيقة أن الاعمار لم ينفذ، تحول الاتفاق إلى حجر اساس لكل خطة للهدنة، التهدئة أو التسوية تم بحثها بعده. في حماس يشرحون بأن تصريحات إسرائيل استهدفت تخويف التنظيمات وجعلها تتراجع عن طلباتها. ولكن حماس أيضا يمكن أن تجد نفسها في نفس الشرك: هي تقدر أن إسرائيل لا تريد الحرب، لذلك مسموح لها شد حبل المفاوضات دون خوف.
التصعيد اللفظي والعسكري يوضح لمصر أنه يمكنها مرة اخرى أن يكون مطلوب منها الانشغال بالتوصل إلى وقف إطلاق النار بدلا من العمل على تحقيق التسوية طويلة المدى. والسؤال الآن هو هل بقي مجال لضبط النفس، الذي فيه إسرائيل تكون مستعدة للاكتفاء بمهاجمة أهداف محددة في غزة، وليس تنفيذ تهديدات نتنياهو وليبرمان. هذه ليست فقط معضلة عسكرية، بل خلاف سياسي ليس فقط حماس تمليه، بل أيضا وربما في الاساس، الاحزاب اليمينية.

التعليق