كيف ننهي الفقر المدقع؟

تم نشره في الجمعة 19 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

واشنطن - تكشف الجهود الرامية لإنهاء الفقر المدقع عن ازدواجية متنامية، فمن ناحية، يواصل الفقر المدقع تشبثه بعناد في مناطق معينة من العالم، بينما أصبح في مناطق أخرى ضئيلا للغاية إن لم يكن قد تلاشى.
يعيش أقل من 3% من السكان في حوالي نصف بلدان العالم على أقل من 1.9 دولار في اليوم – لكن هذا لا يعني أن النضال من أجل استئصال الفقر قد انتهى في هذه البلدان.  
وإدراكا لهذا التباين، يوسع تقرير البنك الدولي "الفقر والرخاء المشترك 2018: تجميع أجزاء اللغز"، فهمنا للفقر، فهو يطرح أدوات وإجراءات جديدة ستساعد البلدان المعنية على تحسين استهداف الفقراء وتنفيذ السياسات المناسبة لبناء رأس المال البشري والارتقاء بمستويات المعيشة.
في الفترة بين عامي 1990 و 2015، خرج أكثر من مليار شخص من هوة الفقر المدقع، وأصبح معدل الفقر العالمي الآن عند أقل مستوياته المسجلة في التاريخ. وفي عام 1990، كان ما يقرب من 36 % من سكان العالم يعيشون على أقل من 1.9 دولار في اليوم، بيد أن هذا العدد تقلص إلى 10 % بحلول عام 2015. وتظهر التوقعات الأولية لعام 2018 أن الفقر المدقع في العالم تقلص أكثر إلى 8.6 %، متجاوزا بعامين الهدف المرحلي المحدد عند 9 % بحلول عام 2020.     
يعود الكثير من هذا الانخفاض إلى النمو المذهل في آسيا، لاسيما الصين والهند. ورغم استمرار تراجع الفقر العالمي، هناك علامات مزعجة تنجلي مع انخفاض وتيرة التراجع. إذا استمر هذا الاتجاه، فقد يهدد هدف إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030. 
هذا لأن الفقر بات أكثر تمترسا في جيوب معينة من العالم، خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء والبلدان المتأثرة بالصراعات. فالعدد الإجمالي للفقراء في أفريقيا جنوب الصحراء في تزايد مطرد. ففي عام 2015، كان عدد من يعيشون في فقر مدقع في تلك المنطقة يزيد عن إجمالي عددهم في العالم كله. وتتنبأ التوقعات أنه بحلول عام 2030، يتوقع أن ما يقرب من 9 من بين كل 10 أشخاص فقراء سيعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وسيبقى الفقر في خانة الرقمين.
وقالت كارولينا سانشيز بارامو، المدير الأول لقطاع الممارسات العالمية للفقر والإنصاف بالبنك الدولي، "على قدر ما تثيره قصة تخفيض معدلات الفقر من إعجاب، فإننا لا نستطيع أن نركن إلى أمجاد الماضي. التوقعات الحالية ترسم صورة قاتمة للغاية لكنها واقعية لاحتمال إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030. وهذا يعني أننا بحاجة لتجديد تركيزنا على أفريقيا، ولن يكفي بذل الجهد المعتاد لتوصيلنا إلى هدفنا. نحتاج إلى الاستثمار في البشر والتأكد من شمول النمو، مع التركيز الأكبر على زيادة القدرة الإنتاجية للفقراء."  
مستويات أعلى لعالم متنامي
بالإضافة إلى خط الفقر العالمي الذي يقف عند 1.9 دولار، يضع البنك الدولي تقاريره الآن على أساس أن خط الفقر يتراوح بين 3.2 و5.5 دولار في اليوم. هذه الخطوط المطابقة لخطوط الفقر الوطنية لدى البلدان منخفضة الدخل والشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل على الترتيب تستهدف إكمال خط الفقر العالمي الذي يقف عند 1.9 دولار، وليس استبداله. وتشير البيانات إلى أن المكاسب السريعة التي يتم إحرازها ضد الفقر المدقع لم يضاهيها بعد أعداد من يعيشون في هذه المستويات الأعلى من الدخل. في عام 2015، كان ما يزيد عن ربع سكان العالم يعيشون على 3.2 دولار في اليوم ونحو نصف سكان العالم ما زالوا يعيشون على أقل من 5.5 دولار في اليوم.      
وعلى سبيل المثال، يعيش كالو رام وخيرون نيشا في جايبور بالهند، حيث يقل متوسط الدخل عن 3.2 دولار في اليوم. هذان الزوجان يمتلكان محلا لبيع وجبات الدجاج المقلي المتبل. منذ فتح المحل بمساعدة قرض من شركة تتعامل مع مؤسسة التمويل الدولية، زاد دخلهما الضعف. تمتلك الأسر التي تعيش عند هذا المستوى من الدخل منازل مصنوعة من الصخور أو الطوب ولها أسقف من الخرسانة أو الحجارة. الأرضيات داخل هذه المنازل من الخرسانة أو البلاط، وبها في الغالب كهرباء وصنابير مياه.        
بالمثل، وبينما تنمو البلدان، فإن تعريفها لما يشكل الاحتياجات الأساسية يتغير. على سبيل المثال، ففي البلدان الأفقر، قد تتطلب المشاركة في سوق العمل مجرد ملابس وغذاء، ولكن في البلدان الأكثر ثراء قد يحتاج أيضا إلى سهولة الحصول على الإنترنت، وامتلاك سيارة وهاتف محمول. لمتابعة ذلك، طبّق البنك الدولي خطا اجتماعيا للفقر بناء على مستوى معين من الاستهلاك أو الدخل في كل بلد. بهذا المقياس، كان هناك 2.1 مليار شخص عام 2015 يعتبرون فقراء بالنسبة لمجتمعاتهم، وهو ما يعادل ثلاثة أمثال من يعيشون في فقر مدقع.
وقال هايشان فو، مدير مجموعة بيانات التنمية لدى مجموعة البنك الدولي، "ستواصل مجموعة البنك الدولي توجيه جهودها لانتشال الناس من براثن الفقر، وسيستمر خط الفقر الذي يقف عند 1.9 دولار يشكل مقياسا مرجعيا في رصد التقدم. بيد أن النجاح في الحد من الفقر المدقع في مختلف أجزاء العالم قد أتاح لنا توسيع نطاق التركيز لتقييم ما إذا كان الناس الذين يتحررون من الفقر المدقع يحققون مستويات أساسية من الرفاه."    
أبعد من مجرد الفقر المالي
رصد أوجه الحرمان المالي وحده لا يمكن أن يرسم صورة كاملة لهذا الرفاه الأساسي. فالمرء قد لا يكون فقيرا بمعايير المال، لكنه يمكن أن يظل يشعر بآثار الفقر إذا كان قد حُرم الحصول على الاحتياجات الأساسية كالرعاية الصحية والمياه النظيفة والتعليم. 
وفي النهاية، يعايش الناس الفقر بشكل مختلف، حتى داخل الأسرة نفسها. لم تتمكن الإجراءات التقليدية من رصد التباينات، لأن المسوح تتوقف عند مستوى الأسرة. فقياس الفقر كما يشهده الأفراد يتطلب دراسة كيفية تقسيم الموارد بين أفراد الأسرة. ورغم أن البيانات محدودة، فثمة دليل على أن النساء والأطفال يتأثرون بالفقر بدرجات غير متناسبة في العديد من البلدان، وليس كلها. ومع هذا، فهناك حاجة إلى رصد أنماط الاستهلاك لدى الأفراد حتى تستطيع الحكومات أن تنفذ السياسات، خاصة المرتبطة بمشاركة النساء في القوة العاملة وتنمية الطفولة المبكرة لتضييق فجوة التفاوت داخل الأسر. 
إذا كان من الواضح أن الجهود الرامية للقضاء على الفقر لم تنته بعد، فإن الغالبية العظمى من الفقراء تعيش في البلدان متوسطة الدخل حيث يرسم قياس الفقر المدقع فقط جانبا من الصورة. للقضاء على الفقر في هذه البلدان، نحتاج إلى توسيع نطاقنا، واختبار الحرمان من زوايا عديدة، وإدراك التعقيد الأكبر الكامن في مفهوم الفقر حول العالم. - (البنك الدولي)

التعليق