ما هي الدولة التي تُنشئ أفضل البشر من الناحية الإنتاجية؟

تم نشره في السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

ترجمة: ينال أبو زينة

على الرغم من شهرتهم بالعناد والقسوة أحيانا، إلا أن كثيرا من المستثمرين يتحكمون بالاستعارات والتشبيهات تماما كعشاق الأدب.
وكثيرا ما قارن المستثمرون المعرفة والمهارة والقدرة على التحمل برأس المال المادي، مثل المصانع والمعدات، منذ آدم سميث الذي وضع "المهارات المكتسبة والمفيدة" لشعوب دولة ما كإحدى الأشكال العديدة لرأس مال ثابت، إلى جانب "الآلات المفيدة" و"المباني المربحة".
ولكن، على النقيض من الشعراء، يفضل المسثمرون تحديد مقاييسهم الخاصة –من أجل قياس إذا ما كان شيئاً ما أفضل وأجمل بنسبة 15 % أم 20 % على سبيل المثال.
وبهذه الروح، كشف البنك الدولي أخيرا عن مقياس جديد لرأس المال البشري لـ157 دولة. ويجمع مؤشره خمسة مؤشرات للصحة والتعليم (بما فيها فرص الوفاة قبل سن الخامسة، وبين عمر الـ15 عاماً و60 عاماً، فضلاً عن فرص توقف النمو وسنوات التعليم التي سينهيها الطفل في عمر الثامنة عشرة، والدرجات العلمية المتوقعة في امتحانات المدرسة) وذلك لقياس كم من رأس المال البشري يمكن لشخص ولد اليوم أن يراكمه.
وهو يتبع المعايير نفسها لـ195 دول في مؤشر "معهد القياسات والتقييمات الصحية" (إهمي) التي نشرت في "لانسيت"، وهي مجلة طبية، في الشهر الماضي.
ويحاول كلا المؤشرين عكس نوعية التعليم، وليس الكم فقط وتشارك أعداد متنامية من الدول الآن في مبادرات مثل "بيزا" وهو برنامج تقييم الطلاب الدوليين، الذي اختبر التلاميذ الصغار في 72 دولة في العام 2015.
ومع القليل من الجهد الإضافي، يمكن أن تصبح هذه المقاييس المختلفة قابلة للمقارنة.
وهذا يتيح للباحثين فرصة احتساب قيمة سنة من التعليم في أجزاء مختلفة من العالم.
وعلى سبيل المثال، يحتسب البنك الدولي أن عاماً من التعليم في جنوب أفريقيا يعادل 60 % فقط من سنة من التعليم في سنغافورة.
ومن غير المستغرب أن الارتباط بين المؤشرين قريب إلى أبعد الحدود بحيث تقع أميركا في الترتيب الـ24 عالمياً في مؤشر البنك الدولي الجديد، بينما تسقط في المرتبة 27 على مؤشر "إهمي".
وتتقلد الصين المرتبة 46 على الأول والمرتبة الـ44 على الأخير من جهتها ولكن هناك تناقضات ملحوظة أيضا، إذ تؤدي بنغلادش أفضل من الهند وفيتنام أفضل من ماليزيا، وكذلك بريطانيا أفضل من فرنسا، على مؤشر البنك الدولي.
وليست أي هذه الترتيبات صحيحة بحسب تصنيفات "إهمي".
وتقف دول مختلفة أيضاً في قمة هذين الجدولين البيانيين، بحيث تتصدر سنغافورة ترتيب تصنيف البنك الدولي، ولكنها تقع في المرتبة الـ13 على مؤشر "إهمي" الذي يضع بدلاً منها فنلندا في المرتبة الأولى.
ويعكس هذا الاختلاف اختلافين في النهج إذ يتجاهل أسلوب البنك الدولي التعليم العالي (الذي هو أكثر انتشاراً في فنلندا مما هو في سنغافورة).
ويعتبر قياسه للصحة أيضاً (إعاقات النمو ومعدلات البقاء على قيد الحياة) خام إلى أبعد حد للتمييز بين سكان سنغافورة الصحيين وسكان فنلندا الأكثر صحة.
وليست هذه المؤشرات مجرد ممارسات في القياس، فهي أدوات تحفيزية أيضاً ويخشى البنك الدولي أن تخفف الحكومات من الاستثمار في رأس المال البشري، لأن مكافآت ذلك تأتي بطيئة للغاية بينما لا تحدث تلك الضجة الكبيرة في العادة.
ومن خلال وضعها الدول في ترتيب، ربما تروق هذه المؤشرات للفخر الوطني والروح التنافسية للحكومات، تماماً مثل ما تروق لها تقييمات البنك الدولي السنوية لسهولة ممارسة الأعمال في جميع أنحاء العالم.
ويفترض بالمؤشرين أيضاً أن يستجيبا للإصلاحات وفقا للقائمين عليهما وعلى الرغم من أن الاستثمار في رأس المال البشري يمكن أن يتطلب عقوداً حتى يجني ثماره، فإنه سيتوجب على الدول الانتظار طويلاً لكي تنهض على هذين الجدولين الدوريين.
وقد صمم كل من المؤشرين ليكونا تطلعيين، بحيث يقيسان رأس المال البشري الذي يتراكم إذا ما نما حديث ولادة في الظروف الصحية والتعليمية السائدة الآن.
وعلى سبيل المثال، فإن إقرار فرنسا البدء بالتعليم الإلزامي في سن الثالثة سيحسن بلا شك ترتيبها عندما يلتحق الأطفال الصغار بالمدارس، وذلك قبل أن يستشعر الاقتصاد الفائدة من ذلك بكثير.
ويقدم مؤشر البنك الدولي مزيدا من الحوافز للإصلاح بطبيعته فهو يستخدم البحوث المتعلقة بالعوائد الاقتصادية للصحة والتعليم لوزن عناصر مؤشره وفقاً لمساهمتها في الإنتاجية.
وفي حال ضاعفت دولة درجة رأس مالها البشري فعليها، في الأجل الطويل، أن تضاعف ناتجها المحلي الإجمالي لكل فرد، مقارنةً مع السيناريو الذي تبقى فيه درجتها في نفس موقعها، وينبغي أن يجعل هذه الاحتمال عيون الحكومات تتسع.
ولسوء الحظ، ما يزال المؤشر متعثرا بثغرات في البيانات وفي فهم الاقتصاديين.
فما تزال العلاقة بين إعاقات النمو والإنتاجية، على سبيل المثال، غامضة.
وحتى الآن، لم يتم تسجيل سوى 65 % من حالات الولادة في العالم، و38 % فقط من حالات الوفاة.
وتختبر بعض الدول طلبة مدارسها بكثرة بواقع الحال أيضاً. وفي حال لم يتم اختبار الصغار حتى سن الـ15، فإن أي إصلاح يعد لمساعدة طلبة المرحلة الابتدائية في المدارس على التعلم لن يحسن ترتيب الدولة حتى يكبرون كفايةً ليحققوا أفضل الدرجات في هذا الاختبار.
وقد أشار البنك الدولي نفسه إلى أوجه القصور في هذه البيانات وهو يأمل أن يحفز تواجد مؤشر الحكومات على جمع البيانات التي يحتاجها المؤشر للأداء بالشكل الأصح.

"الإيكونوميست"

التعليق