تسوية غير ممكنة

تم نشره في الأحد 21 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

يديعوت أحرونوت

سيفر بلوتسكر

في آذار 2006، ودون أي إشعار مسبق، حظيت بأن ألعب دور النجم في "نيويورك ريفيو اوف بوكس"، المجلة الرائدة في النقد الادبي، الاجتماعي والسياسي لليسار الأميركي. ففي مقال طويل هاجمني بحدة نشيط السلام اليهودي الأميركي، البروفيسور هنري سيجمان، على مقال رأي نشرته على هذه الصفحة ضد المفاوضات السياسية مع حماس، يفهم منها اعتراف إسرائيلي بمنظمة الارهاب. فقد كتب سيجمان بان لا مفر امام إسرائيل غير الاعتراف بحماس كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، وان وجهة حماس نحو التسوية والاعتراف بها سيؤدي إلى مزيد من الاعتدال لديها وتحولها إلى حزب مدني مؤطر.       
المقالان، مقالي ومقال سيجمان، كُتبا على خلفية انسحاب إسرائيل من غزة والانتخابات العامة في السلطة الفلسطينية في بداية 2006، والتي فاز فيها مرشحو حماس بأغلبية نسبية في مجلس النواب الفلسطيني. واجتمع مجلس النواب هذا في تشكيلته الكاملة في فترة زمنية قصيرة فقط بين اذار وحزيران 2007، لاقرار حكومة الوحدة الوطنية لفتح وحماس. بعد حل الحكومة المشتركة نفذت حماس انقلابا عنيفا في القطاع وخلقت فيه واقع نظام عسكري – ارهابي تدهور من سنة إلى سنة. لا، لم تعتدل؛ بل تثبتت كجيش (احتلال) محلي. في النظرية بقيت السلطة الفلسطينية هي الحاكم المدني في القطاع. اما عمليا فالسلطة دحرت إلى مكانة دافع رواتب الموظفين وممول الحسابات التي رفعتها لها إسرائيل على توريد المياه والكهرباء إلى القطاع.
لقد أظهرت حماس بانه وجهتها ليس لاقامة دولة أو دولة على الطريق أو حكم ذاتي. لا توجد دولتان فلسطينيتان: في غزة المحررة من إسرائيل ومن فتح لم تتأسس دولة فلسطينية ثانية – تأسس فيها حكم عصابة مسلحة. حماس لم تتمدن ولم تحرك ساكنا في صالح الغزيين. كان همها فقط لحفظ نفسها، في الغالب بواسطة اعمال عديمة الغاية ضد إسرائيل واستفزاز مصر. مع مرور السنين تبدد أمل المتفائلين في ان يثور سكان غزة على حماس بسبب الضائقة الاقتصادية الفظيعة، ولم يتحقق امل المتزمتين في أن تخرج من غزة حرب مقدسة ضد إسرائيل. بقيت الفوضى.
بخلاف الانطباع الخارجي، فإن حماس اليوم ليست في ذروة قوتها في غزة، بل في اسفل قوتها. المظاهرات قرب الجدار والتي لم تعد تحظى بتغطية اعلامية عالمية ولا تثير احداث تضامن في العالم العربي، تثبت ذلك فقط. نحو 240 شابا فلسطينيا ضحوا بحياتهم عبثا، والالاف بصحتهم.
لو عرفت الحقيقة، لكان من شأني ان اصدق نظرية المؤامرة التي تقول ان محافل في اليمين القومي الإسرائيلي المتطرف يقفون خلف مظاهرات الجدار في غزة ويحرضون الجماهير على المشاركة فيها. فالمظاهرات لا تعرض إسرائيل لاي خطر، ولكنها تخدم جيدا الادعاء الذي يقول انه في أساس الصراع بيننا وبين الفلسطينيين يوجد عدم تسليمهم بمجرد وجود إسرائيل مهما كانت حدودها. كما أنها تثبت العجز التام للمنظمة الفلسطينية، التي تدعي الحق في السيادة للعمل في الميدان لتحقيقها. احد لا يعرف كم من التأييد كانت حماس ستحظى به لو أجريت في السلطة الفلسطينية، بما في ذلك غزة، انتخابات ديمقراطية سرية.
لحماس يوجد سلاح، انفاق، صواريخ، بالونات حارقة وميليشيا عسكرية. ليس لديها لا الرغبة ولا القدرة على الحكم كما يظهر على نحو جلي في السنوات الـ 12 الأخيرة. ليس لها شرعية لان تظهر في المحاكم الشرعية كصاحبة السيادة في قطاع غزة. ومحظور منحها شرعية كهذه.
مكانتها مثل مكانة المنظمة الاجرامية "FARC" في كولمبيا: في كل تسوية ذات احتمال نجاح عليها أن تنزع سلاحها (مثلما نزع سلاحهم 7 الاف من مقاتلي "FARC") ونقل كامل الحكم في القطاع إلى السلطة الفلسطينية. هذا صحيح اليوم حتى اكثر مما في 2006. ومثلما يدعون في الجيش والمخابرات الإسرائيلية، مثلما تدعي رئيسة المعارضة تسيبي لفني – فإن تسوية حقيقية في غزة، تسوية تحرر أخيرا سكان الجنوب من الكابوس المتواصل، لن تتحقق دون عودة كاملة للسلطة الفلسطينية كرب بيت كامل إلى القطاع.

التعليق