جهاد المنسي

وما يزال اللون رماديا

تم نشره في الأحد 21 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:04 مـساءً

لسنا بحاجة للكثير من الوقت لإدراك ومعرفة أننا جميعا، والحكومة في رأس الصف ما تزال تقف في المنطقة الرمادية، وأن كل المحاولات التي تبذل لإقناعنا او إيهامنا بالخروج من تلك المنطقة ليست ذات جدوى ولا تقنع أحدا.
فالحكومة لم تقدم حتى اليوم ما يشير بنية قريبة لديها للانتقال الى لون آخر واضح المعالم، فهي في ملف الاصلاح ما تزال تتلكأ، وفِي ملف سيادة القانون تتصرف بردود أفعال، وفِي ملف الاقتصاد ومعالجة العثرات الاقتصادية تراوح مكانها ولم تقدم لنا خريطة طريق واضحة تخلصنا من استعمار صندوق النقد الدولي، وتبعدنا عن قراراته المتوحشة، وفِي الملف الاجتماعي ما نزال كما كنّا نقدم قدما ونسحب أخرى، وفِي الملف الثقافي نبحث عن رؤية واضحة تنقل الدراما والأدب والفن بكل أنواعه من حالة الدمار التي يمر بها اليوم إلى منطقة بيضاء نستطيع من خلالها تقديم رؤى درامية مكتملة، وتقديم سيناريوهات تعالج واقعنا وتتعاطى مع الحالة الاردنية كما هي اليوم وليس كما كانت قبل ١٠٠ عام، كما لم تقدم لنا رؤية سياسية واضحة تجعلنا نعرف أين نقف ومن هم حلفاؤنا ومن هم أعداؤنا، وكيف نبني التحالفات، ولمَ نداهن هذا، ونجاهر في عداء ذاك.
والأهم والاكثر إيلاما أن حكومتنا لم تستطع الانتقال لمفهوم الدولة الجامعة بدل الدولة الرعوية التي أدمن عليها سواد الناس فبتنا اتكاليين نتحدث عن المعونات التي تصلنا وكأنها واجب دون ان نفكر بضرورة التخلص منها،  سيما وأن تلك المعونات غالبا ما تكون مقيدة لقرارنا السياسي وأحيانا الاقتصادي وحتى الفكري والثقافي.
لست سوداويا ولا أرغب ان أكون، ولكن كل ما ذكر آنفا حقائق مؤكدة وهي جزء بسيط من أمور أخرى تجعلنا نتأكد أن منطقتنا الرمادية التي دخلنا بها ما تزال قائمة وأن الآمال التي زرعت للخروج من تلك المنطقة لم تتحقق، وما تحقق هو مواصلة الحديث عن أفكار ورؤى وطموحات وأجندات عمل دون ان نستطيع تطبيق كل ما قيل وسيقال لاحقا على أرض الواقع، لأننا ببساطة لم نمتلك قوة التطبيق والتنفيذ لتلك الرؤى وما نزال نعيش ردود الفعل وليس الفعل نفسه .
ما ينطبق على حكومتنا من حيث إدمان البقاء في تلك المنطقة، ينطبق على حال شرائح واسعة من المجتمع، فالسواد منا حالهم حال حكوماتنا المتعاقبة لا يَرون إلا ما يرغبون برؤيته، فالفساد مثلا نتحدث عنه وندعو لمقاومته ومحاربته واجتثاثه ولكن عندما يتعلق الأمر بقريب أو ابن عشيرة يخرج البعض منا رفضا وتقريعا وتهديدا، وما نزال نرى بيانات موقعة واستنكارات من هذه الفئة او تلك تنتصر لهذا وذاك.
كما أن البعض منا يتحدث عن عدالة وديمقراطية ودولة قانون ومساواة ولكن عند نقد استثناءات لهذه الفئة او تلك نراهم يتبدلون، وعندما يتحدث البعض عن عدالة التمثيل تحت قبة البرلمان وتوزيع المقاعد بما يراعي العدالة والمساواة نرى أولئك أنفسهم يقفزون من المقاعد التي كانوا يجلسون فيها كمعارضين ومطالبين بالإصلاح الى موقع المنافحين عن هذا التوجه او ذاك، والمنافحون على الهوية وغيرها من استعارات تحضر في تلك الأثناء.
خلاصة القول اننا جميعا وحكومتنا على رأس السلم تستهويهم المنطقة الرمادية فهي منطقة اللاموقف واللامسؤولية واللالون، وهي المنطقة التي تجعل أولئك الذين لا يريدون التقدم للأمام يستهويهم البقاء فيها.
الحق، لا يمكن ان نبقى هكذا ونحن نرى دول العالم تتقدم علينا في أشياء كثيرة وعلينا أن نسارع للاقتناع بأن أسباب التراجع وكل ما نعاني منه اليوم هو رمادية اللون التي نسكن فيها، فالأبيض دائما أوضح وأكثر شفافية وقوة وعنفوانا وحضورا، وهو واضح تحت الشمس وفِي الظلام.

التعليق