هل اتضّح سبب المأساة؟

تم نشره في الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:07 صباحاً

تابعت وغيري مأساة البحر الميت التي أودت بحياة أكثر من عشرين طفلاً وشخصاً. كارثة مفاجئة فطرت القلوب كما وصفتها وعبّرت عنها الملكة رانيا.
لم أستطع النوم أنا وغيري لأننا بقينا نتابعها، والحزن يملأ نفوسنا، ومشاعر ذوي الضحايا تتسرب إلينا وكأننا نحن الفاقدون.
كنا نريد أن نعرف – أيضاً - كيف حدثت المأساة، ولكن أحداً لم يقدم تفسيراً لها يشفي الغليل إلى أن نهض المهندس عيسى حدادين بتفسيره، كونه – كما ذكر – كان أحد المقاولين الفرعيين الذين عملوا في المشروعات هناك. أما كيف حدثت المأساة فقد وصفته لنا المعلمة مجد المرافقة للرحلة.
يُستفاد من مداخلة المهندس حدادين في الفيسبوك، أن سقوط الأمطار الغزيرة في المنطقة الجبلية الغربية من مأدبا (المحاذية للغور والمحيطة بشلالات ماعين) التي ترتفع عن سطح البحر الأبيض نحو ستمائة متر، وبالتالي نحو ألف متر عن البحر الميت من هذا الارتفاع على منحدرات جبلية يكون سريعاً وقوياً جداً، وبسرعتها وقوتها تتحول إلى سيول جارفة – لا مجرد سيول –تأخذ كل ما في طريقها في أثناء انحدارها السريع وتدفقها نحو الغور / البحر الميت. لا تترك مجالاً لأحد لينجو إذا داهمته؛ ولولا مأساة الأطفال لما انتبه أحد إلى هذه الحالة الجغرافية الخاصة.
بالنسبة للأطفال وغيرهم من المتنزهين، كان الجو في الغور صحواً ودافئاً وجميلاً، ولا ينبئ عن سقوط مطر، لأنه قلما يسقط مطر غزير هناك، وإذا سقط فالنجاة ممكنة. لم يدروا ولا يعلمون وحتى الذين رافقوهم، أن المطر الذي يسقط على جبال مأدبا الغربية يمكن أن يؤدي إلى تكوين سيول جارفة تنحدر بسرعة هائلة على سفحها المائل كحد السيف نحو الغور / البحر الميت، وأنها يمكن أن تأخذهم إلى البحر إذا كانوا في طريقها. لقد وجدوا أنفسهم – يا للمأساة – غارقين.
لكن لماذا تمت الرحلة على الرّغم من تحذيرات دائرة الأرصاد وطقس العرب المتكررة؟ لأن التحذيرات موسمية، وتتحدث عن احتمال سقوط مطر يصاحبه برق ورعد وسيول يجب الابتعاد عنها. وهي ظواهر شتوية عادية لا تهدد رحلة إلى زرقاء ماعين أو الأغوار. وحتى لو صدقت التحذيرات فإن الراحلين والمتنزهين سينجون، لأنه قلما تسقط أمطار غزيرة (عليها). وكلمة سيول (مياه تجري) لا تثير الذعر. إنها تعني أن السيارة يمكن أن تقطعها، وأن المرء يمكن أن يبتعد عن طريقها فينجو. وبكلمات أخرى، فإن كلمة / مصطلح سيول مضلل لأنه يتكرر كل عام، وقلما سمعنا عن موت أحد بسببه. ولذلك يستمر كثير من الناس في مزاولة أعمالهم ونشاطاتهم كالمعتاد غير آبهين بالتحذير. وضمن هذا السياق لم تقصّر المدرسة، فقد أعدت واستعدت لرحلة المغامرة، ولكن الرياح جاءت بما لم تشته السفن. لا تحتاج المدارس – في رأيي – إلى طلب إذن من الوزارة للقيام برحلات، لأن الرحلات جزء من العملية التعليمية التعلمية، وإلا كانت ترويحاً فقط أو عبثاً. لا تفهموني غلط فانا لا أعرف المدرسة المعنية ولا أعرف أين تقع.
ماذا لو حدثت المأساة مرورياً؟ هل تُمنع الرحلات المدرسية؟ إن مثل هذا التفكير يقضي بمنع سير المركبات والناس على الطرق في جميع الأحوال والظروف.
 المشكلة في الأصل إذن جغرافية، وهي أن أحداً في الأردن أو في التعليم لفت الانتباه إليها: (Intensive Rainfall of Short Duration and Localized Nature) وثانياً: إدارية، وهي فشل الذين خططوا المشاريع ونفذوها في التحذير من احتمالاتها، ومن ذلك تثبيت لافتات / شواخص كثيرة قوية تحذر منها، وبحيث تجعل كل من يتنزه هناك لا يمكث فيها إذا حذرت دائرة الأرصاد من احتمال سقوط الأمطار في البلاد، مع التنبيه بشكل خاص إلى الخطورة على الحياة في هذه المنطقة أو تلك، وليس الاكتفاء بالدعوة إلى الإبتعاد عن السيول، وثالثاً: إعلامية تحذر من المرور أو المكوث هناك في هذه الأجواء، وربما بإيصال الرسالة لكل هاتف. ورابعاً: تعليمية: فللأسف لا تعرف المدارس شيئاً يذكر عن هذه الحالات الأردنية الجغرافية الخاصة مثل هذه المنطقة، ووادي رم، والبتراء... ولا تشير الكتب المدرسية إليها. إن ما يتعلمونه عن جغرافية بلدهم إجمالي ولا يدخل في التفاصيل، مما يوجب استمرار الرحلات المدرسية إليها في الأوقات المناسبة للتعرف على طبيعتها، فعندئذ يدرك التلاميذ لماذا لا يحدث الشيء نفسه – مثلاً- في المناطق الجبلية الأخرى المحاذية للأغوار كجبال البلقاء/ السلط وما بعدها شمالاً وعلى الرغم من غزارة الأمطار هناك وتشكل السيول؟
في تفسير موضوع المطر على الجبال تلك أنها  ترابية تمتص كثيراً من المطر النازل رأساً كما أنه يوجد بينها وديان وأخاديد طويلة تضعف قوة السيول فيها وهي في طريقها البعيد إلى الأغوار فلا تشكل خطراً كسيول جبال مأدبا. ومع هذا وعلى الرغم منه (فقد) تهب رياح شديدة وتسقط أمطار غزيرة استثنائية تستمر عدة أيام، وتتسبب بسيول جارفة وكوارث كما حدث مرة في السيق/ البتراء وقبلها في معان.
 والخلاصة ان الجهل هو السبب الرئيس لما حدث، وهو جهل مركب: جهل جغرافي (بخصائص المنطقة)، وجهل إداري، وجهل إعلامي، وجهل طقسي يعمم ولا يخصص (سيول... مجرى سيول) وهو الفرق الرئيس بين المتخلفين وإن كانوا متعلمين – شكلياً - والمتقدمين.
نكرر تعازينا الحارة لذوي الأطفال ولمدرستهم ولذوي الأفراد المتوفين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فرق بين أخذ العبر للقيام بما يقدر عليه من إجراءات وتشديد تعليمات وعقوبات وبين حكمة بأثر رجعي تدين أصحابها (تيسير خرما)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
    مجموع مطالب منتقدين لا تقدر عليها دول نفطية ناهيك عن دولة بلا موارد ومثقلة بديون فلكية، وحتى بالدول السبع الأغنى بالعالم يتم أخذ عبر ثم قيام بإجراءات ونفقات إضافية بعد تكرر فاجعة بمكان وزمان وظروف أو تشدد تعليمات وعقوبات، وبكل الأحوال لا تغلق دولة جسورها لاحتمال أن يرمي منتحر نفسه ولا تضع حارساً لسطح كل عمارة ومرتفع ولا تمنع ارتياد وديان سحيقة أو تسلق جبال شاهقة أو خوض بحار ومحيطات، وكل حكمة بأثر رجعي بعد فاجعة من قبل مستوزرين وغيرهم لم يبلغوها رسمياً قبل وقوع الفاجعة تضعهم بدائرة التقصير أيضاً.
  • »هل اتضح سبب المأساة ؟؟؟؟؟ (يوسف صافي)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
    الى متى هذا التيه المبني على كل مخرجاته وان حصلت ام لم تحصل صدقت التنبؤات الجويه او أخطأت والتي تختم دائما "الله اعلم" ؟؟الم تعود بك الذاكرة استاذ عايش الى حكمة خالق الكون وفلسفة معنى الآيه الكريمه التي تحدد السبب بالرغم من الأخذ بكل الأسباب ؟؟ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لايحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ أمره قد جعل لكل شيئ قدر"؟؟
  • »إعجاب بمثل هذه المقالات (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
    نعم.. هذا تشريح وافي لمفهوم " تشتيت المسؤوليه بين الجهات المسؤوله" بحيث نؤكد الخلل الاداري في أن " كل دائره حكومه لوحدها وبدون اي تنسيق مع الجهه المعنيه الأخرى" .. ولكن الخاسر الوحيد هو "المواطن" ومن ثم "الوطن" ..للأسف.