الثقة التي فقدناها

تم نشره في الثلاثاء 30 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:05 صباحاً

الثقة حالة تسود فيها المشاعر الإيجابية بين طرفين أو أكثر كنتيجة لإيمان أحد هذه الأطراف أو كليهما بقدرة ونزاهة وحسن النوايا للطرف الآخر وإمكانية تحقيق الأهداف المأمولة أو المرجوة المرتبطة بالثقة.
 وغالبا ما ترتبط الثقة بالنوايا وتبنى على تاريخ وسمعة وقدرة الأطراف. وتكتسب الثقة أهميتها من حيث أنها تحمل من يحظى بها مسؤولية كبيرة حيال المانحين لها.
قبل نشوء الدولة الحديثة كانت الأمم تثق بأبطالها فتتنازل لهم  طوعا وحبا عن حقها وواجبها في حماية نفسها وتكتفي بأن تضع نفسها تحت إمرتهم وتصرفهم لتلبي دعوتهم وهم على ثقة بسلامة التفكير والتدبير فلا يخشون من الخذلان لمعرفتهم بعمق  الإحساس بالمسؤولية وتجذر قيم الفروسية ومعاني الشرف والصدق والإيثار والأمانة.
ومع تغير حالة المجتمعات وظهور الأحزاب والرؤساء والحكام في دول تحكمها الدساتير والقوانين والمجالس البرلمانية إلا أن صورة البطل  لم  تغب  تماما فقد بقيت لتطل من اللاوعي الجمعي كلما واجهت  الأمة أزمة كبرى أو تعرضت إلى كارثة بالغة التأثير.
البطل صورة ذهنية ابتدعها العقل وزينها بالقوة والحكمة والعدل والعشرات من الصفات والسجايا التي تسمو بها وتنزهها عن ما قد يستهوي الأفراد العاديين  فجردتها من الميول والشهوات وكل ما يمكن أن يؤثر على  نبل وسمو ومثالية   الصورة ورقيها.
في العقل العربي يحتل البطل مساحة واسعة من خيال وحب وتقدير وإعجاب الناس للدرجة التي لا يمكن أن يتقبل العقل احتمالية ارتكابه للأخطاء أو أن لا يقوم بأفضل وأسمى وأنبل الأعمال التي قد لا يدرك العامة  الحكمة والدروس والمعاني التي تحملها فالبطل هو المخلص الشجاع العادل  الذي يجسد هوية الجماعة وتنافسيتها وتفوقها ويتولى اجتراح الحلول لكل ما قد يواجهونه من تحديات وكوارث وأزمات.
التاريخ العربي  ومسيرة المجتمعات المحلية غنية بالأمثلة للشخصيات التي  أنزلها الناس منازل الأبطال والمخلصين معتقدين بأنها قادرة على تحقيق الخلاص  لأتباعها ومحبيها وشعوبها. بعض هذه الشخصيات حققت إنجازت جعلتها جديرة بالحب والثقة والإعجاب والتخليد في حين أن بعضها الآخر لم يرق الى مستوى الثقة وتسبب في  خيبة أمل وخذلان من آمنوا أو اعتقدوا بقدرته على تحقيق الآمال.
  الأوساط الاجتماعية والسياسية والتجارية والثقافية تتحدث في حواراتها ونقاشها حول   الشأن العام   وما يمر به المجتمع من أحداث وأزمات  عن الثقة ويعزون الكثير من المشكلات التي نواجهها إلى انعدام الثقة. بعض  من يتحدثون عن المفهوم لا يدركون تماما المقصود بالثقة لكنهم يجمعون بأن تغييرا  ما قد حدث  على  طبيعة ونوعية العلاقة بين الأفراد والمؤسسات بحيث أن النتائج للسياسات والتشريعات والبرامج وللجهود والأعمال والمشروعات قد لا تحقق الآمال المعلقة عليها أو الوعود التي قطعت عند تبنيها أو إطلاقها.
   حالة انعدام الثقة التي اصابت المجتمع اليوم لم تكن  وليدة الصدفة أو انقلاب الناس على القيم والأعراف التي سادت ولا تزال حية في وجدان وعقول الناس بل جاءت كنتيجة طبيعية لغياب صورة البطل وتخلي الكثير ممن يحتلون المواقع العامة المتقدمة عن قيم النزاهة  وانخراطهم في نشاطات وأعمال ومشاريع تنال من صورة القيادة المجتمعية  التي تحظى بتقدير واحترام وإعجاب الناس.  فمن غير المقبول أن ينخرط المشرع او العضو في السلطة التنفيذية في أعمال تجارية ومشاريع وتعهدات  .
الثقة بين الشعب والدولة  تدهورت بعد انتشار أخبار الفساد وهروب أعداد من المتهمين بارتكابه والتردد في ملاحقة ومحاسبة بعض المتنفذين وانتشار حوادث الاعتداء على رجال القانون وانتشار قصص التزوير للانتخابات واستخدام المال السياسي وحصول بعض الشخصيات التي  لم تكن مهتمة بالقضايا العامة على الرعاية لدخول مؤسسات التشريع وتأخر تنفيذ الخدمات وغيرها من المشكلات والقضايا التي أسهمت في تأخير احداث النهوض الوطني.

التعليق